شكّل لقاء في مستهل الصيف في البحرين نوعاً من جلسة تسويق للشق الاقتصادي من اقتراح إدارة ترامب حل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، ولكن لم يشارك أي مسؤول فلسطيني أو إسرائيلي في ورشة عمل "السلام من أجل الازدهار" هذه، التي عُقدت في 25 و26 يونيو، فلم يُدعَ الإسرائيليون إليها، في حين قاطعها الفلسطينيون.

قال المستشار البارز في البيت الأبيض وصهر الرئيس الأميركي غاريد كوشنر للحضور في مستهل اللقاء: "لا يتمحور اجتماعنا اليوم حول المسائل السياسية"، وتابع مؤكداً أن "هذه المسائل" ستُعالج في "الوقت المناسب".

Ad

كان البيت الأبيض قد كشف عن خطة التنمية الاقتصادية هذه قبل أيام قليلة، وقد شملت عدداً من أفكار بناء الأمم، إلا أنها لم تتطرق إلى الإطار السياسي أو تعالج المسائل الصعبة المرتبطة خصوصاً بالصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وهكذا بدت هذه المقاربة أشبه بمحاولة بيع سيارة من دون محرك.

تفتقر أي خطة اقتصادية لا تعالج المشاكل السياسية الأساسية إلى كيان حاكم يطبقها، أوضح الفلسطينيون أن تحسين الناتج المحلي الإجمالي لا يشكّل بديلاً عن توليهم إدارة شؤونهم بأنفسهم، كذلك لا يمكننا توقع أن يدعم الإسرائيليون أي مشاريع بناء من دون التوصل إلى اتفاق سلام متكامل.

درست مؤسسة راند خلال العقد الماضي متطلبات تأسيس أمة فلسطينية فاعلة في حال التوصل إلى حل إقامة دولتين، وعرضت سلسلة تقاريرنا مجموعة أفكار في قطاعات كثيرة (الأمن، التعليم، الرعاية الصحية، الماء، النقل)، معتمدةً على الممارسات التخطيطية والبيئية الفضلى. استندت هذه الأفكار إلى إنشاء ممر بنية تحتية على شكل قوس يربط مدن الضفة الغربية بعضها ببعض وبقطاع غزة، وتقوم خطة "القوس" هذه على بناء ممر بنية تحتية يشمل خط سكك سريعاً وطرقات، فضلاً عن تجهيزات للمنشآت، والاتصالات اللاسلكية، ومساحة استجمام عامة.

صحيح أن مؤسسة راند لم تستشر مطلقاً فريق كوشنر، إلا أن خطتها طرحت فكرة ممر البنية التحتية ذاتها. وما يمكننا تأكيده بالاستناد إلى تحليلنا الفرص والتحديات في المنطقة أن أي تنمية اقتصادية ناجحة للفلسطينيين تعتمد بالكامل على التوصل إلى حل راسخ يتفق عليه الطرفان بشأن الصراع مع إسرائيل على الأرض، والموارد، والسيادة. كذلك ستتطلب دعماً قوياً من المجتمع الدولي، لكن كل هذا يبدو غير متوافر في هذه المرحلة.

لم يكن الوعد بتنمية اقتصادية مطلقاً كافياً وحده لبناء سلام دائم بين إسرائيل والفلسطينيين، احتسبت مؤسسة راند في دراسة أخرى التأثيرات الاقتصادية المحتملة لخمسة سيناريوهات مختلفة لهذا الصراع على مدى عشر سنوات، فتبين أن حلّ إقامة دولتين سيكون قد حقق بحلول نهاية عقدنا الافتراضي عام 2024 زيادة نمو بقيمة تراكمية تصل إلى 170 مليار دولار للإسرائيليين والفلسطينيين.

بحلول عام 2024، سيكون الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي والفلسطيني قد ازدادا وفق مقاييسنا بنحو 22.8 مليار دولار (5.2%) و9.7 مليارات دولار (48.8%) على التوالي مع إرساء السلام وفق حل إقامة دولتين. وتُعتبر إسرائيل الرابح الأكبر من حل هذا الصراع وفق القيم المطلقة، لكن الفلسطينيين، بالنظر إلى حجم اقتصادهم الأصغر بكثير، سيجنون أيضاً مكاسب كبيرة وفق القيم النسبية، وفي المقابل توصل تحليلنا إلى أن الانتفاضات العنيفة ستؤدي إلى تقلص ناتجهما المحلي الإجمالي العام بأكثر من 55 مليار دولار. فسينخفض الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي 10% والفلسطيني أكثر من 45%.

ولكن لو كان النمو الاقتصادي مصدر القلق الرئيس، لامتلك كلا الطرفين أسباباً كثيرة كانت ستدفعهما إلى التوصل إلى اتفاق سلام قبل وقت طويل من الاستثمارات التي تقترحها خطة كوشنر.

قاد توسّع المستوطنات الإسرائيلية المتسارع في الضفة الغربية في السنوات الأخيرة كثيرين إلى الاعتقاد أن حل إقامة دولتين قد أصبح مستحيلاً، فإذا ضمت إسرائيل هذه المستوطنات والمناطق المحيطة بها (كما اقترح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في حملة إعادة انتخابه في شهر أبريل)، فستُقسَّم الأراضي الفلسطينية إلى 150 قطعة متباعدة، مما يبدد بالتالي احتمال إنشاء دولة فلسطينية فاعلة، كذلك رفض كوشنر في شهر يونيو التصريح عما إذا كانت إقامة أمة مستقلة للفلسطينيين تشكل حتى جزءاً من شق خطته السياسي.

مع أن أبحاث مؤسسة راند تبرهن الفوائد الاقتصادية لحل إقامة دولتين، يبدو أن التطورات لا تسير في هذا الاتجاه، ونظراً لذلك، تدرس مؤسسة راند راهناً تداعيات البدائل من حلول الدولة الواحدة، وإنشاء الكونفدراليات، والضم إلى الإبقاء على الوضع القائم، كذلك ننظم مجموعات دراسة هدفها التوصل إلى فهم أفضل لوجهات نظر المواطنين الإسرائيليين والفلسطينيين ومعرفة ما إذا كان هنالك مجالات يستطيع فيها الطرفان التوصل إلى اتفاق.

من الروايات التاريخية المتضاربة، وعدم توازن القوى، والمخاوف الأمنية، إلى الانتفاضات في المنطقة الأوسع، والفقر، والخلافات الدينية، كل هذه عوامل تجعل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني أحد الصراعات الأكثر تعقيداً في العالم، فقد ظل هذا الصراع عصياً على الحل طوال أكثر من خمسين عاماً رغم الجهود التي بذلها عدد كبير من الدبلوماسيين المتمرسين والمخضرمين، ولكن إذا أردنا أن نستخلص عبرة من هذه الجهود التي بُذلت على مر العقود، تكون أنه ما من مقاربة قد يُكتب لها النجاح إلا مقاربة تلبي رغبة كلا الطرفين في تحديد مصيرهما بنفسهما وتسد حاجاتهما الاقتصادية، مقاربة تحظى بقيادة قوية وشجاعة.

*«سي. روس أنتوني وشارلز ريس»