أيها الساقي إليك المشتكى

قد دعوناك وإن لم تسمعِ!

Ad

إلا أن الاستماع هو أبرز ما يبرع فيه السقاة ويجيدون امتهانه، يُذهل المرء ما يتمتعون به من مهارة الإنصات لشكاوى مرتادي المكان، فحين يهمس صوت من زاوية ما في ذلك المكان:

أيها الساقي تكرّم واسقني تلك العقارا

اسقنيها إن قلبي لم يطق عنها اصطبارا

هاتها صرفا خفاءً هاتها مزجا جهارا

هي ريحاني وروحي وبها العقل استنارا!

يهبّ الساقي مجيباً للنداء، حاملاً أقداحه وابتسامة ودودة تكسو ملامحه، تلك الابتسامة ذاتها هي سرّ السقاة، وهي "الماستر كي" الذي ما إن يستخدمونه حتى تُفتح أمامهم القلوب المقفلة وتشرع أبوابها، فتنهمر الأسرار، يتساوى لديهم في ذلك الشخص الغريب الذي يدلف المكان أول مرة، أو الشخص ذو الوجه المألوف جدا، والغني والفقير، كلهم لهم نفس الرعاية والاهتمام والحنو إن تطلبت الحاجة ذلك!

فما إن ينادي صوت آخر من زاوية أخرى:

ألا يا أيها الساقي أدِر كأساً وناولها

فمن تُوقعِه نفسٌ في شراك العشق يعذلها!

يأتي الساقي بتلك الكأس المشتهاة مصحوبة بابتسامة ملؤها التعاطف والمواساة، فيقف أمام ذلك الصوت صامتا يسترق نظرات خاطفة، متظاهرا بانشغاله في مسح الطاولة مثلاً، أو رص الكؤوس، أو بأي شيء آخر، معطياً الفرصة لذلك الصوت بأن يبوح بما تكنّه سريرته من مشاعر، فإذا ما بدأ الصوت في الحديث استمع إليه منصتاً دون أن يقاطعه بحرف، فالساقي عادة ما يتمتع بقدرة مدهشة على قراءة الخارطة النفسية لرواد المكان وسبر أغوارهم، يعرف منذ الوهلة الأولى تلك الثقوب الصغيرة في داخلهم، والتي تمكنه من التسلل إلى ما خلف المتاريس والحواجز التي يتم بناؤها لصد المتطفلين، بنفس القدر الذي يعرف جهة الأبواب المواربة، والتي لا تحتاج سوى إلى دفعة بسيطة للدخول، وهو في الحالين لا يُشعر الآخر بأدنى إحساس بالتطفل، فهو بارع في معرفة كيفية مد جسور الثقة مع الآخر ومتى، يعرف متى يتحدث ومتى يلوذ بالصمت مع ابتسامة محايدة، ومتى يروي النكات، ومتى يشارك الأسى، والمدهش أنه يتعامل مع إيقاع كل الموجودين في المكان، كل على حدة، على اختلاف أمزجتهم وحالاتهم النفسية، فهو يتبادل المزاح مع شخص مبتهج وخلال ثوانٍ تجده واقفا مقابل شخص آخر يطبطب على قلبه، محاولا أن يرفأ جرحا فيه أو يرتق آهة.

إن للساقي موهبة فذة في العلاقات العامة، فهو يتمتع بذكاء عاطفي وحضور ذهني خلاق، كما يتمتع بالقدرة على مجاراة الآخر في أنماط سلوكه المتغير خلال مستويات نشوته، وقدرة متميزة على أن يكون متخصصاً في العلاقات العاطفية وطبيباً نفسياً ومستودع أسرار العوام والعظام على السواء، والصديق الذي وكأنما تعرفه منذ لا تعرف متى، والذي وللمصادفة ستنساه تماما حين تصحو غداً! مهنة الساقي ضاربة جذورها في التاريخ البشري منذ القدم، إلا أنه جد جديد على هذه المهنة العريقة، بعض أماكن عملهم استبدلتهم بـ"الروبوتات"، فكأنما مسحوا كل ما يتمتع به الساقي البشري من حس إنساني وتفاعل لن تجده إلا عنده، بمجرد نداء جاف: أيها الساقي!

فيأتي "الروبوت" حاملاً أقداحا لا تنضح عاطفة خالية من التجلي، حينها لمن يشكو الساقي بعد أن كان إليه المشتكى؟!