شهدت الأيام الماضية حالة من الاستياء على صفحات مواقع التواصل بشأن تمثال يجسد العالم الأثري الفرنسي الشهير جون فرانسوا شامبليون (1790 – 1832)، واضعاً إحدى قدميه على رأس فرعون مكسور على الأرض، وهو ما اعتبره البعض أمراً مهيناً ويعكس نظرة عنصرية تجاه الحضارة الفرعونية!

ورغم إدراك المصريين للعمل العظيم الذي قام به شامبليون إبان الحملة الفرنسية على مصر، حيث نجح في فك رموز اللغة المصرية القديمة بترجمته رموز حجر رشيد، فإن موجة غضب تندلع بين حين وآخر للمطالبة بإزالة تمثاله الموجود في صرح تعليمي كبير في فرنسا، وهو "كلية باريس" التابعة لجامعة السوربون العريقة، ويدرس فيها العديد من الطلاب المصريين والعرب، مما يشكل لهم ضيقاً نفسياً.

Ad

وسبق أن طالبت الجالية المصرية في فرنسا بإزالة التمثال عام 2011، وانطلقت حملة وقتذاك تبناها فنان مصري مقيم في فرنسا يُدعى هشام جاد، استهدفت جمع مليون توقيع من الشعب المصري للضغط على الحكومة الفرنسية ومطالبتها بإزالة هذا التمثال، إلا أن الحملة لم تنجح في مهمتها.

إهانة للإنسانية

وقال جاد في تصريحات لـ"الجريدة" إن التمثال المصنوع من الرخام استفزه حين رآه لأول مرة قبل سنوات، مما دفعه إلى تصويره في مقطع فيديو قصير وسجل تعليقاً بصوته قال فيه: "هذا التمثال لا يليق بأعظم حضارة عرفتها البشرية... ولابد من أن تتدارك الحكومة الفرنسية هذه الإهانة البالغة للإنسانية ممثلة في الأم مصر".

ولا تتوافر معلومات دقيقة بشأن هوية الملك الفرعوني صاحب الرأس المهين، حيث تباينت الآراء في هذا الصدد، ورجح البعض أن يكون الرأس المكسور والمطروح أرضاً تحت قدم شامبليون خاصاً بالملك إخناتون من الأسرة 18، وأهم من دعا إلى توحيد الإله، بينما ذهب آخرون إلى أن الرأس يخص الملك رمسيس الثاني، لكن هذا الجدل لم يمنع اتفاقهم جميعاً على رفض التمثال وفكرته "الاستعلائية"، والمقصد الواضح من ورائه، وهو أن شامبليون استطاع تحطيم رؤوس الفراعنة والتفوق عليهم بعد فك طلاسم اللغة الهيروغليفية.

عبارة منحوتة

ويحمل التمثال عبارة منحوتة على الرأس الفرعونية ترجمتها بالعربية "أنا من أجل مصر، ومصر من أجلي"، وهي العبارة الشهيرة التي كان بالفعل يرددها شامبليون، من فرط هوسه وعشقه للحضارة والآثار المصرية القديمة، ولا يختلف أمر العشق لمصر كثيراً لدى صانع التمثال النحات الفرنسي الشهير فردريك أوجست بيرتولدي، الذي كان مهتماً هو الآخر بعلم المصريات.

مثير للجدل

وانتهى بيرتولدي (1834 – 1903)، من نحت التمثال المثير للجدل عام 1863، أي حينما كان عمره 29 عاماً، وعُرض التمثال للمرة الأولى في معرض تشكيلي في باريس عام 1875، وبعدها وخلال العام ذاته وُضع في مكانه الحالي في ساحة كلية باريس.

وعبر مدونون مصريون على موقع "فيسبوك" عن دهشتهم من أن يكون صانع هذا التمثال ذو النظرة الاستعلائية، هو ذاته صانع التمثال الأشهر الذي يعد أيقونة للحرية في العالم، وهو تمثال الحرية الموجود في الولايات المتحدة الأميركية، حيث كتب أحد المدونين: "صُدمت لوجود عمل فني يحمل هذا الكم من الاستعلاء والكراهية لحضارة عظيمة مثل الحضارة الفرعونية".

روماتييه: التمثال سيظل موجوداً

قبل مطلع العام الحالي 2019، شارك سفير فرنسا في القاهرة ستيفان روماتييه، في مؤتمر صحافي، بحضور وزيرة الثقافة إيناس عبدالدايم، ووزير الآثار خالد العناني، للإعلان عن العام الثقافي المصري الفرنسي، وخلال المؤتمر سأله صحافي مصري عما إذا كانت هناك خطوات أو نية لإزالة تمثال شامبليون، فجاء رد السفير الفرنسي قاطعاً: "هذا التمثال لطالما آثار الجدل، وإن كان هذا الجدل دليلاً على الثقافة".

وتابع روماتييه: "التمثال يعبر عن الروابط التي تربط مصر بفرنسا، وسيظل موجوداً في موقعه كدليل على المناخ الثقافي"، وهو التصريح الذي أغلق الباب أمام كل المحاولات والمطالبات المصرية بإزالته.