يحفل كتاب الغزو في الزمن العابس - وهو من منشورات ذات السلاسل - لمؤلفه عبد الله بشارة بأحداث تاريخية مهمة عاشتها الكويت، منها ما يتعلق بتعاطي العراق مع الكويت منذ العهد الملكي حتى عهد صدام حسين، ومنها تعامل الكويتيين مع هذه الأحداث وتطاولات صدام المتكررة على الكويت، التي وصلت إلى ذروتها في قراره الجنوني بغزوها في أغسطس 1990، معتقداً أنه سيدخل أبواب التاريخ كزعيم حقق أحلامه في ضمّها واعتبارها المحافظة العراقية التاسعة عشرة.

ويسجل الكتاب الموقف الوطني الغاضب الذي تجسد في مؤتمر المبايعة التاريخية في جدة، أكتوبر 1990، الذي أكد فيه الشعب الكويتي تمسكه بالنظام السياسي والشرعي، ممثلاً بأميره الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح.

Ad

جاء الكتاب في ثمانية فصول تشتمل على مادة تاريخية تبرز الادعاءات العراقية وأحداث الغزو، مسجلاً الافتراءات التوسعية التي تستهدف الدولة الوطنية الكويتية.

ويعرض الكاتب هذه الأحداث موثقة بالتواريخ الدقيقة، مستنداً إلى المصادر العربية والعالمية، إضافة إلى شهادات المسؤولين المعاصرين في وسائل الإعلام، وما نشرته الصحافة في هذا الشأن. وفيما يلي تفاصيل الحلقة الخامسة:



بوصفي أمينا عاما لمجلس التعاون، تلقيت دعوة لحضور قمة بغداد، فذهبت إلى جدة متوجها الى بغداد على الطائرة العراقية، وفي صباح الاثنين 28 مايو 1990 بدأت القمة، وجدول أعمالها هو "الأمن القومي والتهديدات التي يتعرض لها وكيفية مواجهتها"، وعناوين أخرى ذات صلة.

كان الإعلام العالمي قد بدأ يتابع مداولات القمة ويتجه نحو الأزمة، راصدا ومتابعا ومدققا على التصريحات ومعانيها، وكان الجانب الكويتي في قمة بغداد على يقين بأن هذه الشدة في خطاب صدام ستزول.

لكن القرار العراقي في المواجهة والتصعيد قد اتُّخذ، ولم يعبأ بالنداءات ولا الاتصالات التي تسعى إلى تطويق الأزمة، فكانت الدبوماسية العراقية تشير الى التصعيد الى حد الانفجار وتجاوزه مهما كان الثمن.

كان خطاب الرئيس صدام في بداية الاجتماع خروجا على اللياقة، وبعيداً عن الذوق العام، فتجاوز الأدب المعروف في حوارات القادة، وتبنى مفردات غريبة عن أدبيات القمم العربية، وكان يتحدث غامزا سلوكيات دول الخليج التي يراها تتعامل مع أطماع الأجنبي بأسلوب يولّد الثغرات في جدار الأمن القومي، مرددا مخاوفه من التخفي الأميركي في الخليج.

ويستطرد صدام في كلامه معلّقا على الاهتزاز والارتباك بين الوطني والقومي، منهيا ذلك الخطاب مستنجدا بالقرآن الكريم بقوله "حسبنا الله ونعم الوكيل".

كان خطابه مملا في الإلقاء غليظا في التعبيرات، مشككا في الحاضرين، غاضبا من البعض، مهادنا البعض الآخر.

وفي الجلسة السرية يوم 30 مايو 1990م تحدث صدام عن إعلان بعض الدول الخليجية النفطية الحرب على العراق، وقال بالتصريح في تلك الجلسة ما قاله بالتلميح في جلسة الافتتاح.

أجواء القمة في بغداد

هذه المداخلات المنفرة من صدام ومن معاضديه فجّرت مناخا غريبا لم تعتده القمم، فلم تكن الأجواء طبيعية بين الوفود وداخل تجمعات الصحافة، غاب الرئيس السوري الأسد الذي كان ينتظر دعوة مباشرة من الرئيس صدام الذي لم يكن يستسهل قيامه شخصيا بأخذ مبادرة الدعوة مباشرة، وهي - كما أوضحت مذكرات فاروق الشرع - كان يتوقعها الجانب السوري، بعد أن تم تكليف د. أسامة الباز (مستشار الرئيس المصري وقتها)، بها، كما وقعت إحراجات وأظهرت حساسيات بين صدام والرئيس القذافي الذي كان معترضا على صرامة رئاسة صدام الذي لم يُظهر لا صبرا ولا مجاملة للزعيم الليبي؛ الذي شعر بتعالي الزعيم العراقي عليه.

حضرت مؤتمرات قمم عربية كثيرة، وتنقلت بين الرياض والقاهرة والمغرب والسودان والكويت وغيرها، خرج القادة جميعا منها بهدوء أكثر، رغم أن بعضها كان فاشلا، وبالذات قمة الرباط في ديسمبر 1969م، حين لم يجد الرئيس جمال عبدالناصر ما يريحه فخرج، وانتهى المؤتمر دون قرارات ولا حتى بيان عادي.

كان مؤتمر بغداد مسرحية للتحضير للأحداث اللاحقة التي فجّرتها مذكرة بغداد الى الجامعة العربية في 15 يوليو 1990م باتهامات بذيئة موجهة لدولتي الكويت والإمارات حول إغراق أسواق النفط لتخفض أسعاره.

منذ انتهاء القمة في آخر مايو الى نهاية شهر يونيو 1990م، تواصلت المساعي بين كل العراق والسعودية ودول الخليج لتطويق أزمة أسعار النفط، وخرج فيها مقترح قمة يضم العراق والسعودية والكويت والإمارات لبحث قضايا النفط، غير أن هذا المقترح لم ير النور، حيث قام وزير النفط السعودي هشام الناظر بزيارة بغداد في التاسع من يوليو 1990م.

لم يقتنع صدام بتأكيدات الوزير السعودي، ورد بأن القيادة العراقية اجتمعت قبل يوم من لقائه مع الوزير الناظر، وقررت فيه أنها استنفدت كل وسائل الحوار والصبر مع الكويت، وأنها تحملت ما يجب ألا تتحمله، وأن الوضع سيدفع العراق الى حافة جهنم، ويضيف صدام أنه سيشرح للعراقيين أن نقص حليب الأطفال مسؤول عنه كل من الكويت والإمارات، وأن المسؤولين فيهما يريدون تجويعكم، فإذا أردتم أن تدافعوا عن حقكم فتوكلوا على الله، نحن في المقدمة.

واستكمالا لسياسة المواجهة، وتنفيذا لدبلوماسية الاحتكاك والارتباك قدّم وزير خارجية العراق طارق عزيز مذكرة بتوقيعه الى الأمين العام للجامعة العربية، مؤرخة في 15 يوليو 1990م جاءت في بدايتها تتحدث عن مفاهيم العراق حول الأمة الواحدة ومشاركة جميع أبنائها بالخير، لأنها ثروات الأمة، ويتهم الكويت باتباع مخطط ومدبر للإضرار بالعراق وإضعافه، مع استغلال انشغال العراق في حربه مع إيران، لتنفيذ مخطط تدريجي ومبرمج في الزحف تجاه أرض العراق وإقامة منشآت عسكرية ونفطية وأمنية.

وتتناول المذكرة اتهام الكويت بإغراق السوق بالنفط لخفض السعر، مما ألحق بالعراق خسائر باهظة، ورغم التحذيرات لم تتوقف الكويت عن مواصلة هذه السياسة، كما تشير المذكرة الى خسائر العمل العربي المشترك وفقدان الدعم، وتتهم الكويت بإقامة منشآت نفطية على الجزء الجنوبي من حقل الرميلة العراقي، وتغرق السوق بالنفط الذي سُرق جزء منه من العراق.

وتطرق الى ما دار في قمة بغداد وحديث الرئيس صدام، إلا أن الكويت واصلت هذه السياسة حتى أوصلت العراق الى قناعة بأن الخطة مدبرة، ولها أهداف تشكل مخططا إمبرياليا صهيونيا ضد العراق والأمة.

رد الكويت

ما أراده العراق من تلك المذكرة هو إرباك السلطات الكويتية وتجنيد الرأي العام العربي ضدها، وهذه الممارسات ليست غائبة عن سلوك العراق المستمر، لهذا قام الشيخ صباح الأحمد بإرسال الرد الكويتي على مذكرة العراق يوم 18 يوليو 1990، والتي حملت استغراب الكويت من تلك الادعاءات في محتواها وتوقيتها.

ويؤكد الرد على النهج الكويتي المعروف بحرص الكويت على تعزيز أواصر العلاقات الأخوية وحسن الجوار واحترام السيادة وعدم التدخل، مع وضع التماسك العربي وصفاء العلاقات كأولوية كويتية، خصوصا أن هناك لجانا متخصصة بين البلدين للتركيز على مجالات التعاون.

وتشير المذكرة الى دور الكويت في دعم التنمية بالعالم العربي، وحرصها على فتح آفاق واسعة لترسيخ المصالح المشروعة، وتفند ادعاءات العراق بسعي الكويت لإضعافه وتعبّر عن معاناتها بسبب دورها القومي، تمثلت باعتداءات استهدفت أراضيها وشعبها ومنشآتها النفطية.

وتشرح المذكرة الأسس التي تقوم عليها الدبلوماسية الكويتية في التعاون مع الجميع، والعمل بحسن النوايا والصدق والتعايش مع حسن الجوار والالتزام بمبادئ الميثاق والوفاء للحلول السلمية.

الوساطات والتهدئات

اتخذت الكويت مع اشتداد السخونة سياسيا وإعلاميا قرار الانطلاق بحملة توضيحية وتعريفية بالحقائق تمثلت في مبعثوين كويتيين حاملين رسائل من سمو الأمير الشيخ جابر الى رؤساء الدول العربية.

ولم تكن الرسائل تطالب بشيء معيّن سوى الإسهام في التهدئة، عبر ما يراه كل نظام عربي، مع تقبّل ما يمكن من مقترحات تساعد في الوصول الى تفاهم مع الحفاظ على الاتفاقيات الموقعة.

وتوجّه الشيخ صباح الأحمد الى دول مجلس التعاون، شارحا الوضع منذ بداية السنة وما قدمه العراق خلال زيارته الى بغداد في فبراير من عام 1990م، وتوجه المستشار في الديوان عبدالرحمن العتيقي الى كل من مصر والسودان وجيبوتي والصومال وسورية والأردن ولبنان، واتجه وزير العدل والشؤون القانونية ضاري العثمان الى دول المغرب، وزار تونس وليبيا والجزائر والمغرب وموريتانيا.

واستمر الوضع في التدهور مع قيام الأمين العام للجامعة العربية شاذلي القليبي يوم 20 يوليو 1990م بزيارة الكويت في نطاق مهمة تصفية الأجواء، ولم يتحقق شيء يذكر من جهود بعد رفض العراق مقترح الكويت تشكيل لجنة عربية للفصل في ترسيم الحدود.

في 24 يوليو توجه الرئيس المصري حسني مبارك الى بغداد والكويت ثم الرياض، وكان أمله عقد اجتماع مشترك عراقي - كويتي، بحضور مصري - سعودي، وأعلن مبارك يوم 25 يوليو موافقة الكويت والعراق على وقف الحملات الإعلامية، وعقد اجتماع في جدة خلال أيام، مؤكدا أن صدام ليس لديه النية لتحريك قواته ضد الكويت.

وفي 27 يوليو 1990 أعلن المتحدث الرسمي العراقي أن اللقاء بين الكويت والعراق سيكون في جدة، وسيعقبه لقاء في بغداد، ورحبت السعودية باستضافة الاجتماع الثاني في أراضيها، وأعربت عن عميق ارتياحها وتقديرها للمبادرة التي استجاب لها الأشقاء في العراق والكويت، كما أعربت عن امتنانها للقادة العرب الذين اسهموا بجهودهم في وحدة العمل العربي المشترك عن طريق التضامن، وأعلنت بغداد أن نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، عزت إبراهيم، سيترأس الوفد العراقي في لقاء جدة، في المقابل أعلنت الكويت في 29 يوليو أن الشيخ سعد سيرأس وفد الكويت.

واستمرت الزيارات من قادة عرب حاملين المساعي لتقريب المواقف، حيث جاء الملك حسين الى كل من بغداد والكويت في 30 يوليو، وجاء رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، كما قام الأمير سعود الفيصل بزيارة الى بغداد والكويت، حاملا رسائل شفوية الى قيادتي البلدين.

استراتيجية صدام وحواراته مع زائريه

كانت أطروحات الرئيس العراقي ضد الكويت تتمثل بضعف الدعم الخليجي المالي والسياسي خلال الحرب العراقية - الإيرانية التي يطلق عليها صدام الحرب العربية الفارسية، ويردد هو والآخرون من أعضاء القيادة العراقية بأن الدعم الخليجي المحدد قد توقف عام 1982م ولا يتناسب مع تضحيات العراق، ويتم بتردد ومن دون حماس.

ويردد أمام الزوار العرب اتهاماته للكويت بالتبعية الى الإمبريالية الأميركية التي تتآمر على العراق وتريد إسقاط نظامه بعد أن حقق الانتصار في حروبه مع الاطماع الفارسية.

ويوم السبت 21 يوليو 1990 اجتمع الأمير الفيصل مع الرئيس صدام، الذي تحدث عن بخل الكويت ورداءة تعبيراتها التي ينقلها المبعوثون العراقيون الى صدام، في تحريض منهم ضد الكويت وزيادة الكراهية لها والإساءة إلى القيادة الكويتية، كما يتكلم عن 20 مليون دولار قدّمتها الكويت مساعدة رفضها قائلا إن العراق ليس بحاجة الى هذا المبلغ، وقد اعتاد أن يقدمه الى زواره الأفارقة، ويتهم الكويت بالتصرف بمواقف مغرضة في إطار المؤامرة الأميركية.

مباحثات جدة في 31 يوليو 1991

في جو من التفاؤل وصل الوفد الكويتي برئاسة الشيخ سعد العبدالله الى جدة، وأدلى بتصريح يشكر فيه خادم الحرمين الشريفين الملك فهد والرئيس حسني مبارك للجهود التي مهدت لاجتماع جدة، منطلقا بقلب مفتوح للقاء نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، ومعبّرا عن إيجابية الكويت في هذا الاجتماع للتوصل الى حل نهائي لجميع المشاكل بين البلدين.

كان الوفد الكويتي برئاسة الشيخ سعد العبدالله، ومعه الشيخ ناصر محمد الأحمد وزير الدولة بوزارة الخارجية، وكان الوفد العراقي يحتوي على عناصر يمكن قراءة النوايا من وظائفها: نائب رئيس مجلس قيادة الثورة عزت إبراهيم الدوري رئيسا، ونائب رئيس مجلس الوزراء، سعدون حمادي، وعلي حسن المجيد أخو صدام حسين الملقب بـ "الكيماوي"، وأحد أعمدة الحكم في العراق، وغيرهم من المستشارين.

وفي مساء يوم 1 أغسطس وقبل المغرب بدأت الاجتماعات بحضور ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ومشاركة الوفدين في لقاء بدأه ولي العهد السعودي بنقل تحيات خادم الحرمين الشريفين، وحرصه على نجاح اللقاءات، مع كلمات ترحيبية حارة وأمنيات بأن يكون التفاهم معبّرا عن العلاقات الأخوية بين الطرفين.

وخرج ولي العهد السعودي، وانحصر اللقاء على أعضاء الوفدين دون مشاركة في أي طرف ثالث، وأغلقت الأبواب، وكان كل من الشيخ ناصر المحمد والسيد ضاري العثمان بمعيّة الشيخ سعد، على حين كان سعدون حمادي وعلي حسن المجيد مع عزت الدوري رئيس الوفد.

كنت مع وكيل الخارجية الكويتي سليمان الشاهين خارج القاعة ننتظر، ونتحدث عن كل الاحتمالات في أجواء ليست مريحة إن لم تكن مزعجة، وفجأة فُتح الباب وخرج الشيخ سعد وعزت الدوري لأداء صلاة المغرب، وذلك بعد انقضاء نحو 40 دقيقة من بدايته، وانتظرنا عودة الوفد العراقي، غير أن الدوري ظل جالسا في جناحه الخاص لا يريد المشاركة، بحجة أنه لا جديد يبرر مواصلة المفاوضات، محملا الكويت فشل المباحثات لأن الوفد الكويتي لم يأت بمطالب العراق.

عدنا الى الكويت مساء الأربعاء 1 أغسطس في التاسعة والنصف مساء، وكانت الأعداد المنتظرة أكثر مما تصورنا، الجميع في قلق منتظرين الأخبار، وفي القاعة التف حولنا المواطنون القلقون، فشرحت ما دار كما شاهدته من سلبية العراقيين وعدم اهتمامهم بحضورنا ووجودهم معنا في القاعة بتكتّم وانغلاق وحذر، وكأننا لا نعرف بعضنا، مكتفين بالعموميات.

ذهب الشيخ سعد للقاء سمو الأمير، وغادرنا المطار عائدين الى بيوتنا، وفي الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، اتصل بي سمو الشيخ صباح الأحمد يبلغني بدخول العراقيين الأراضي الكويتية، وبدء الغزو.

صدام يتهم الكويت ودبلوماسيتها تفنّد أباطيله

انسجاما مع المسار الابتزازي الذي فجّره العراق في شحنات من التهم الثقيلة ضد الكويت، ألقى الرئيس صدام خطابا يوم 17 يوليو بمناسبة ذكرى ثورة 17 يوليو 1968م البعثية، استعرض فيه إنجازاتها، وبعث أمجاد شعب العراق، مشيرا الى ان الإنجازات تأثرت بسبب المؤامرة المدبرة من الإمبريالية ضد العراق وضد الأمة لوقف النهضة العراقية عبر المحاصرة الاقتصادية والنفطية.

ولم تنتظر الكويت طويلا، فجاء الرد وبقوة، وربما أقوى مفردات أخرجتها الدبلوماسية الكويتية مع نفي قوي بأن الكويت لا تعرف التآمر، وأن حياتها هي الالتزام انطلاقا من انتمائها القومي، ووفاء لهذا الانتماء الى درجة أنها تنظر الى النزاع بمنظورها القومي، ولم تمارس سياسة درء المخاطر.

وتشير الى أسعار النفط، حيث إن سياستها النفطية تأخذ بعين الاعتبار مصالح الدول المنتجة للطاقة مستفيدة من تجارب الماضي، تجنبا للأضرار التي لحقت بدول "أوبك" كافة، وبالأخص ذات الاحتياطيات الكبيرة، مثل العراق من جراء التصلب والمجابهة في قضايا الأسعار، مع تأكيد المحافظة على وحدة "أوبك"، وساندت العراق في تجاوز حصته، وتضررت الكويت من ذلك الموقف وهبطت ايراداتها.

صدام يبلّغ السفيرة غلاسبي أن العراق قادر على إيذاء واشنطن

لا يمكن تجاهل أبرز أهداف ذلك اللقاء غير العادي وغير المسبوق في الدبلوماسية العراقية الثورية أن يستدعي صدام بكل جبروته وسطوته الهالة الأسطورية التي رسمت له سفيرة الولايات المتحدة أبريل كاثرين غلاسبي يوم الأربعاء 25 يوليو 1990م، وفي الوقت الذي يشن فيه صدام هجوما سياسيا وإعلاميا لاذعا ضد واشنطن، ويتهمها بالتآمر عليه وبمساعدة الكويت والإمارات، يلتقي سفيرة واشنطن، طالبا منها نقل رسالة الى الرئيس جورج بوش بأن هناك أطرافا في واشنطن بدأت تجري اتصالات مع دول الخليج لكي لا تقدم مساعدات الى العراق المدين بحدود 40 مليار دولار، ورافق ذلك حملة إعلامية تشن ضد رئيس العراق، مع حملة تخفيض لأسعار النفط بمساعي الكويت والإمارات، ويتهم واشنطن بتشجيع الطرفين لرفض مقترحات العراق، ويبلغ السفيرة بأن العراق قادر على إيذاء واشنطن وفق حجمه، ويركز على حل القضايا العربية دون تدخل الأجنبي.

وترد السفيرة بأنها مفوضة لتطوير العلاقات الثنائية، مع ضرورة إسهام العراق في السلام والازدهار.

وقد تحدثت أنا شخصيا مع كثير من المسؤولين الأميركيين عن النص العراقي لمحضر اللقاء بين صدام والسفيرة يوم 25 يوليو 1990م وكان الرد من العارفين بأن السفيرة أكدت أن واشنطن ملتزمة بالسلامة الإقليمية لمجلس التعاون، وأن صدام فسر عدم التدخل الأميركي بشأن الحدود بطريقة تناسب نواياه وتجاهل الالتزام باستقلال هذه الدول.