بعد ثلاثة أيام من الاحتفالات الفخمة التي أعطت انطباعا بأن بريطانيا لم تتغير، غادر ترامب لندن ولكن تحت ستار الأبهة والفخامة، فإن بريطانيا لا تجد نفسها منشغلة ببريكست معطًّل والجدل الذي لا ينتهي حوله فقط، بل أيضا بأزمة هوية أكثر عمقا، أي النضال من أجل إعادة استكشاف ماذا يعني أن تكون بريطانيا.

إن هناك مفارقة قاتمة تتمثل بأنه خلال الأسبوع الماضي حلت الذكرى الخامسة والسبعين ليوم إنزال نورماندي (6 يونيو) والذي كان بمثابة البداية لتحرير أوروبا من الفاشية. إن حزب المحافظين الحاكم يبدو مصمما على نبذ أي اتفاق مع الاتحاد الأوروبي، معلناً "بريكست" بدون اتفاق والخروج من الاتحاد الأوروبي بتاريخ 31 أكتوبر، وهذه النتيجة تعتبر بمثابة إعلان حرب اقتصادية على جيران بريطانيا في القارة الأوروبية.

Ad

إن بريطانيا التي كانت تفخر دائما بكونها براغماتية ومتسامحة وغير منحازة تخاطر برعاية شكل عدائي وغير متسامح ومنعزل من أشكال الوطنية. فلقرون عديدة كان وضعنا كسكان جزر يجعلنا نتطلع للخارج كمستكشفين وتجار ومبشرين ودبلوماسيين، ولم نكن ننظر للقنال الانكليزي كخندق بل كطريق سريع.

لقد كنا من أولى الدول التي مارست التسامح السياسي، فقبل الثورة الأميركية بزمن طويل اعترف الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو (ربما بتردد) أن بريطانيا كانت من الدول الرائدة في فكرة الحرية المعاصرة، وفي القرون التي تلت ذلك لعبنا دوراً قيادياً، فيما يتعلق بأهم صفة من صفاتنا الوطنية وهي طبقا لونستون تشرشيل "اللعب النظيف".

لكن الصعود الكبير لحزب بريكست بقيادة نايجل فاراج المعادي لأوروبا ونجاحه في وضع الشروط لاختيار رئيس الوزراء المحافظ القادم جعل بقية العالم يتساءلون: ما الذي حدث لبريطانيا المعتدلة والمنطقية وغير الأيديولوجية، والتي كانت تشتهر بنزعتها التجريبية، واعتقادها بالتغيير التدريجي عوضا عن التغيير الثوري؟

إن فاراج وزعيمة اليمين المتطرف في فرنسا مارين لوبان وترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين يشتركون في رغبتهم العنيدة بتدمير أي مؤسسة عالمية أو أوروبية بشكل لا يعكس القيم البريطانية التقليدية. إن فاراج يحدد الوطنية على أساس أنها وطنيتنا ضد الآخرين، وهي ترتبط باستهداف وشيطنة المهاجرين والأوروبيين والمسلمين، وإنه يعيد تعريف بلدنا كبلد منغلق على نفسه ويكره الأجانب مما يعني اختطاف تاريخنا، وماذا يعني أن تكون بريطانيا.

طبقا لمذكرة مسربة تتكون من 14 صحفة، يخبرنا أكبر موظف حكومي بريطاني أن بريكست بدون اتفاق يعني أن الأسعار سترتفع بمقدار 10%، وسيتبع ذلك ركود ولا يمكن استبعاد حصول اضطرابات، وبالإضافة إلى ذلك يمكن أن تنهار التسوية السلمية في أيرلندا الشمالية بالإضافة إلى أن الاتحاد مع أسكتلندا قد يكون في خطر، ولكن بفضل فاراج وفكره الذي استحوذ على حزب المحافظين الحاكم، فإن إيذاء النفس اقتصاديا بهذه الطريقة وبشكل يتعارض بشكل واضح مع المصلحة الوطنية يتم تصويره على أنه تمجيد للوطنية البريطانية.

إن الوطنية ذات الأفق الضيق لا تعتبر مرضا بريطانيا فقط، فالكثير في طول الغرب وعرضه من العامة ينظرون للعولمة على أنها تفتقد للقيادة وللنزعة الإنسانية، وكأنها قطار مندفع لا يمكن التحكم فيه، يجب الآن على القادة المعتدلين في كل مكان ألا يتعاملوامع الاستياء الاقتصادي لملايين الناس الذين يشعرون بالخسارة فقط، ولكن أيضا مع التشاؤم الثقافي والنظرة للسياسيين على أنهم أناس يهتمون بمصالحهم فقط، وهي أمور تصب في مصلحة الوطنية الشعبوية التي يرَّوج لها أنصار ترامب مثل ستيفن بانون ومن هم على شاكلته.

إن الذي يجعل الأمور أسوأ بكثير بالنسبة إلى بريطانيا هي سلسلة الأخطاء الجسيمة في التقديرات السياسية خلال حملة استفتاء سنة 2016 وبعدها، وفي حين شنت حملة التصويت للبقاء في أوروبا المهزومة حملة اقتصادية تركّزت على الخوف من فقدان الوظائف بسبب الخروج من الاتحاد الأوروبي، شنت حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي المنتصرة حربا ثفاقية من خلال المبالغة في المخاوف المتعلقة بالهجرة والتركيز على حاجة البريطانيين الوطنيين "لاستعادة السيطرة".

لم يسمع الناخبون بالطرح الوطني من أجل البقاء في أوروبا إلا بشكل عابر، كما لم يسمعوا الطرح بأن بريطانيا تكون مخلصة لنفسها فقط عندما تتطلع للخارج بدون أن تنغلق على نفسها، وبأن مهمتنا البراغماتية هي أن نؤدي دورا قياديا في أوروبا لا أن نتركها.

في أعقاب تصويت سنة 2016، فإن أي مجموعة من القادة بخلاف أولئك الموجودين في السلطة كانوا سيقودون نقاشات وطنية من أجل تذكير البريطانيين بأن هذا الشكل غير المتسامح والانعزالي من الوطنية لا يعبّر عن القيم البريطانية، بل يرفضها، ولكن هذه النقاشات لم تحدث على الإطلاق.

والآن ومع انهيار حكومة رئيسة الوزراء تيريزا ماي ووصول البرلمان إلى طريق مسدود، فقد كشف بريكست عن أزمة عميقة جدا لا يمكن معالجتها من خلال الوسائل التقليدية، سواء بتغيير السياسة أو القائد أو الحكومة، وكما هي الحال في ديمقراطيات تمثيلية أخرى فإن الثقة الضعيفة فعلا بالسياسة يتم تقويضها بشكل أكبر بسبب أن الأحزاب السياسية لم تعد تقوم بدورها التقليدي المتمثل بتجميع الرأي العام والبناء على توافق قوي ومستنير، ولقد حل مكانها "فيسبوك" و"تويتر" وغيرهما من وسائل التواصل الاجتماعي التي خلقت انطباعا زائفا بالديمقراطية المباشرة، والتي يتواصل فيها القادة مع رعيتهم على قدم المساواة.

إن الإنترنت على أفضل تقدير يروّج لمعركة في الصراخ بدون وجود محكم، وعلى أسوأ تقدير هو بمثابة غرفة الصدى التي تعزل المستخدمين وتضخّم أكثر الآراء تطرفا. ربما يستغرق الأمر سنوات قبل إعادة تشكيل النظام الحزبي، ولكن حتى يحين ذلك الوقت يجب علينا أن نحاول بناء ديمقراطية مستنيرة بشكل أكبر، وإن عمل سلسلة من مجالس المواطنين على سبيل المثال يمكن أن تجمع عينة من الناخبين، وذلك من أجل الاستماع للحقائق واستجواب الخبراء وتحدي الآراء الخيالية، وإن مثل تلك المجموعات والتي ستدرس بعناية القضايا المطروحة تمثل أفضل وسيلة للتوصل إلى توافق على مستقبل بريطانيا الأوروبي قبل عقد استفتاء ثان.

لقد كان من الممكن أن تستفيد المملكة المتحدة من بعض الوقت للتفكير العميق قبل حدوث التصويت سنة 2016، ولكن لم يفت الأوان بعد، وأنا متأكد أنه لاحقا لمثل تلك العملية فإن الشعب البريطاني سيجد نفسه في بلد أكثر تسامحا وعدالة وانفتاحا من البلد الذي يريده المتطرفون والذين يدّعون أنهم يتكلمون باسمنا.

* رئيس وزراء ووزير مالية سابق في المملكة المتحدة والمبعوث الخاص للأمم المتحدة للتعليم العالمي، ورئيس المفوضية العالمية لتمويل فرص التعليم العالمية، كما يترأس المجلس الاستشاري لمؤسسة "ذا كاتاليست".

«غوردن براون»