تألق الفتى الأسمر باقتدار مذهل في دور عميد الأدب العربي طه حسين، وأثبت أنه بالفعل ممثل موهوب، ولعل أجمل الإشادات به ما رسمه المبدع صلاح جاهين في زاويته اليومية بجريدة الأهرام، حيث رسم الأهرامات الثلاثة وكتب على الأول اسم طه حسين، والثاني أحمد زكي، أما الثالث فحمل اسم المخرج يحيى العلمي، وبعدها فتحت السينما أبوابها للأسمر الموهوب ليقلب مع مخرجي «الواقعية الجديدة» مقاييس النجومية...

مع بداية عقد الثمانينيات في القرن الماضي انطلقت موجة سينمائية اقتربت شكلا ومضمونا من الواقع، وراحت تعبر عن قضاياه بعمق وجدية، تعري الهموم والأوجاع، وتناقش الأحلام والطموحات، حتى على مستوى اللغة السينمائية كان لها إضافات واضحة، ربما تكون «صدفة تاريخية»، لكن الأسمر صاحب الموهبة الاستثنائية وجد في هذه الموجة السينمائية ضالته، ومن ثم تألق حتى أصبح هو «الرهان الرابح» وصائد الجوائز.

Ad

ورغم أن أحمد زكي قدم في تلك الفترة أفلاماً نال عنها العديد من الجوائز، توقع الجميع أن يتفرغ للعمل في السينما، خصوصا مع انتشار مقولة ان «التلفزيون يحرق نجم السينما»، إلا أن زكي، الذي دخل كل بيت في مصر والعالم العربي عبر مسلسل «الأيام» محققا انتشارا ونجاحا كبيرا، ومن بعده الفيلم التلفزيوني الناجح أيضا «أنا لا أكذب ولكني أتجمل»، لم يؤمن يوما بهذه المقولة، فقط كان ينتصر للنص الجيد والدور المختلف بغض النظر عن الوسيط الذي سيطل من خلاله.

عن أهم المحطات في حياته ومشواره نحوالنجومية نواصل:

قبل الفتي الأسمر أن يشارك في بطولة مسلسل «الرجل الذي فقد ذاكرته مرتين» للمخرج ناجي أنجلو، في أول تجاربه التلفزيونية، عن نص لأديب نوبل نجيب محفوظ، كتب له السيناريو المبدع الراحل أسامة أنور عكاشة، وشارك في بطولته مجموعة من النجوم، في مقدمتهم الفنان شكري سرحان، باختصار عمل تتوافر له كل عناصر النجاح ولكنه حينما تحمس للمشاركة في هذا المسلسل لم يتوقع أن القدر ساقه للعمل فيه لأسباب أخرى لا علاقة لها بالجودة الفنية.

من أول نظرة

كان من بين فريق العمل في المسلسل وجه جديد، هي الفنانة هالة فؤاد التي كانت قد قدمت أوراق اعتمادها الفنية بعيدا عن دعم والدها المخرج أحمد فؤاد، ومن أول نظرة لفتت الفراشة الرقيقة نظر الفتى الأسمر، بوجهها البريء، ورقتها، وخجلها، كانت أقرب للنسمو بالكاد تسمع صوتها، تجلس معظم الوقت بحجرتها لا تفارقها إلا لتؤدي مشاهدها.

ظل الأسمر يراقبها في صمت، يختلق الأسباب لمد حبل الوصال معها، مستغلا حجة مراجعة المشاهد التي تجمع بينهما، ثم ينطلق في الحوار، كان مهتما بمعرفة كل شيء عنها ومع كل لحظة كان يتيقن أنها الحبيبة التي انتظرها طويلا، والزوجة التي سيحقق معها حلم عمره في الاستقرار، إلا أن خجله منعه من البوح بمشاعره خصوصا أن ظروفه المادية لا تؤهله للإقدام على خطوة الزواج، صحيح شارك في عدد من الأعمال، لكنه لم يدخر مالا يساعده على تحقيق حلمه في الاستقرار، غير أنه حرص على أن يوطد علاقته بحبيبته عبر هذا العمل وبعائلتها أيضا، وفي مقدمتهم والدها المخرج أحمد فؤاد الذي بدوره رشحه لبطولة فيلم «الاحتياط واجب» ليجسد شخصية مشرف في إصلاحية للأحداث.

وفي أثناء التحضير للفيلم ساعدته الظروف حيث التقى هالة مجددا أثناء التصوير حينما حضرت بصحبة شقيقها هشام، كان سعيدا حينما رآها وتبادل معها الحوار، ليحسم بعدها أمره، ويقرر أن يفاتح والد حبيبته بطلب الزواج منها، شارحا له كل ظروفه وخصوصا المادية، ومن جانبه رحب فؤاد بطلب الفتى الأسمر، لكنه أرجأ الموافقة النهائية حتى يعرض الأمر على صاحبة الشأن لتبدي رأيها.

زكي بشكل عام لا يحب الحديث عن حياته الخاصة، وطوال مشواره الفني كان يتهرب وبلباقة شديدة من الخوض في هذه الأحاديث، ولو اضطر فهي بضعة كلمات قليله ثم ينتقل لقضايا أخرى، مؤكدا دوما تحرجه من الخوض في حياته الخاصة، ما يفسر لماذا فوجئ الوسط الفني بخبر ارتباطه بهالة فؤاد، حتى الخطوبة تمت في أضيق الحدود، فقط الفرح الذي وصف «بالاسطوري» كان مثار حديث الجميع وحضره عدد كبير من النجوم.

وفي المرات القليلة التي فتح فيها الراحل زكي صندوقه الأسود، قال في حوار سابق: «لأنني ولدت ولم أعرف غير اليتم، لذا كنت دوما أحلم بأن يكون لدي بيت كبير يضم زوجة طيبة تحتويني وتفهمني وتنجح في التعامل مع الطفل القابع بداخلي، كنت أحلم أن يكون لدي العديد من الأطفال، عزوة تملأ حياتي ويكبرون أمام عيني وأحقق لهم كل أحلامهم، لذا عندما رأيت هالة أيقنت أن حلمي قد تحقق، فهي بنت جميلة ورقيقة وطيبة وتشاركني أحلامي».

تزوج الأسمر الموهوب بعد قصة حب كبيرة من حبيبة قلبه هالة فؤاد، ومن أجلها وافق أن يسكن في الدور الثاني عشر رغم «فوبيا» الأدوار العليا التي يعانيها تلبية لرغبتها. كان سعيدا بها وبحياته معها، ويشعر أنه امتلك السماء بيده، فلأول مرة يشعر بالاستقرار على كل المستويات، أصبح لديه بيته الخاص، حياته التي طالما حلم بها مع زوجة تحبه وتعوضه عن كل ما حرم منه طويلا، وزادت سعادته بعدما علم بخبر حملها وأنه سيرزق بأول أطفاله «الستة» كما كان يحلم ويتمنى.

مشاكل

غير أن الرياح لا تأتي دائما بما تشتهي السفن، فبعد فترة عرفت المشاكل والخلافات طريقها لعش الزوجية السعيد، بعدما أجرت الفنانة هالة فؤاد حوار صحافيا صرحت خلاله بأنها ستعود للفن فور أن تضع طفلها الأول، فجن جنون زكي الذي كان قد نجح في إقناع حبيبته بالتفرغ لحياتها الزوجية واعتزال الفن، ومن جانبها لم تمانع خصوصا بعدما حملت في طفلها الأول، وهكذا توهم زكي أنه أغلق هذا الباب نهائيا ولم يدرك أن عشق هالة للتمثيل لا يقل عن عشقه هو الآخر، وأنها تشتاق لليوم الذي تعود فيه للأضواء مجددا، وبدلا من التعامل بحكمة مع هذا الأمر كما اعترف لاحقا مبديا ندمه الشديد، كانت المشاحنات والمشاكل والعصبية مما وسع هوة الخلافات بينهما.

وخلال حوار في إحدى الصحف، قال الأسمر الراحل: كل الدلائل كانت تشير إلى أننا سنعيش حياة سعيدة، فلقد تزوجنا بعد قصة حب كبيرة جدا وصادقة، ومثل أي أزواج حدثت بيننا خلافات عادية سرعان ما كانت تنتهي، وفي مرات أخرى كان العناد المتبادل يصعب الأمور، ولكن في المجمل كان الحب أقوى من أي خلافات.

ويواصل في نفس الحوار:

لكنني لا أعرف كيف انفصلنا، لم يكن هناك طرف من الأطراف سيئ، لا أنا ولا هي، انفصالنا ليس إلا «خيابة»، في البداية كان صلاح جاهين بحكم أنه أبي الروحي يتدخل لفض الخلافات بيننا، وكنت أسمع كلامه وأطيعه، وأذكر في إحدى المرات أن اختلفت مع زوجتي وتركت له المنزل، واستمر الخلاف مدة شهر وهي بعيدة عني، أنا أعاند وهي أيضا تعاند وكذلك والدها، وفي أحد الأيام اتصل بي صلاح جاهين، وقال لي «انت فاضي يا أحمد تسافر معايا اسكندرية دلوقتي؟»، فوافقت على الفور، وبالفعل مررت عليه وسافرنا بسيارتي، وعندما وصلنا أخرج من يده ورقة صغيرة مدون بها عنوان وطلب مني أن أوصله إلى هذا المكان، وعندما وصلنا أصر أن أدخل معه وكان المنزل في المعمورة، وعندما دخلت فوجئت بزوجتي ووالدها، وقبل أن استوعب الأمر كان قد أمسك بيدي ووضعها في يدها وقال لنا «يالا اتصالحوا»، وفي ثوان ذابت كل الخلافات بيننا ونسينا كل شيء، ولما أحس صلاح جاهين أن مهمته نجحت خرج مسرعا، وأشار لأول سيارة تاكسي وعاد للقاهرة منفردا، وعرفت بعدها أنه هو الذي بادر بالسؤال عن زوجتي حتى عرف أنها في هذا العنوان ومن ثم رتب كل شيء حتي يصالحنا ويزيل ما بيننا من خلافات.

العناد والمكابرة كتبا إذاً نهاية أجمل قصة حب توقع لها الجميع أن تستمر لنهاية العمر، لدرجة أنه كان قد انفعل بشدة على الكاتب الصحافي مفيد فوزي في لقاء تلفزيوني شهير عندما أصر الأخير على الخوض في أسباب انفصال زكي عن هالة، فرد عليه بغضب محاولا إيقافه قائلا: «انت اقتحمت حاجة مبحبش أتكلم فيها».

غير أن فوزي واصل يسأله بجرأة عن إمكانية عودته لزوجته أم ابنه الوحيد فرد زكي بحدة وغضب قائلاً: دي حاجة بتاعة ربنا، أنا مش سعيد بانفصالي، لكن ما قدرش أرجع وأنا تعبان وهي كمان تعبانة من حياتنا، طبعا تعبان من الوحدة، لكن هتعب أكتر لو عايش مع حد بيني وبينه خلافات في وجهات النظر.

وفي نفس اللقاء، أكد الراحل أحمد زكي أنه يكن لها كل تقدير واحترام فهي أم ابنه وأنها «ست عظيمة»، مشيرا إلى أن انفصاله عنها كان بسبب خلافات صغيرة، رافضا أن يرمي كل شيء على عاتقه كرجل عليه أن يأخذ «المبادرة» نحو «الصلح» أو الاعتذار عن الأخطاء.

محاولات

بعد رحيل الفنانة هالة فؤاد اعترف النمر الأسود أنه ندم كثيرا على انفصاله عنها، وليس فقط بسبب «العناد» والمكابرة ولكن لافتقاده أي خبرات «حياتية» في التعامل مع المرأة «الزوجة»، كذلك «عصبيته» الشديدة كانت سببا آخر للانفصال.

عن هذه الأسباب، كان الأسمر قال: الفنان بشكل عام عصبي، أما أنا فجهازي العصبي مشدود طوال الوقت بين التحضير للشخصية أو حفظ الدور وغيرها من تفاصيل تجعلني رغما عني عصبيا وحينما أعود للبيت أكون «مهدوداً» لا أريد أن أتكلم أو أتناقش مع أحد، أريد فقط من يحتويني.

وعلى عهدة الماكيير محمد عشوب الذي كان صديقا مشتركا بين الطرفين أكد أن هالة حاولت بعد سنوات من الانفصال عن حبيبها الأسمر أن تعيد المياه لمجاريها، ولكن دون جدوى يقول عشوب: «بعد الطلاق بفترة اتصلت بي هالة، وأخبرتني أن والدي أحضر لها عريسا ولكنها رافضة الزواج، فسألها هل تريد العودة لأحمد زكي، فهزت رأسها بالإيجاب، ومن ثم قررت أن أقوم بهذه المبادرة، وأكون واسطة خير، وبالفعل ذهبت لأحمد محاولا الإصلاح بينهما، ولكنني فوجئت برفضه القاطع العودة إلى أم ابنه إلا بعد وفاة والدها المخرج أحمد فؤاد، إذ إن الخلافات مع حميه كانت قد تطورت لأنه كان دائم التدخل في علاقتهما كما اعترف زكي بذلك أكثر من مرة.

بعدها تزوجت الفنانة هالة فؤاد من رجل أعمال اسمه عز الدين بركات ونشرت صورة زفافها على غلاف إحدى المجلات، وكان هيثم يجلس تحت قدميها ممسكا بشمعة الفرح، وقد أثارت هذه الصورة غضب أحمد بشدة، ودخل بعدها في حالة اكتئاب على حد توصيف عشوب.

بعد زواجها انجبت هالة من زوجها الجديد ابنها الثاني رامي في ولادة عصيبة اقتربت فيها من الموت، وما أن تماثلت للشفاء حتى قررت اعتزال الفن والتفرغ للعبادة ورعاية أطفالها وارتداء الحجاب، وخصوصا بعد رحيل والدها المخرج أحمد فؤاد، بعدها بفترة بسيطة اكتشفت اصابتها بالمرض الخبيث (سرطان الثدي) في مراحله المتأخرة، وعندما علم زكي بحقيقة مرضها عرض المساعدة بكل الوسائل، رغم حساسية موقفه، وكان حريصا على متابعة حالتها الصحية يوميا عبر شقيقها المخرج هشام فؤاد حتى توفاها الله في مايو 1993 عن عمر يناهز 34 عاما.

يوم وفاتها كان أحمد مشغولا بتصوير دوره في فيلم «سواق الهانم» للمخرج حسن إبراهيم ومن إنتاج ال السبكي، واحتار الجميع في موقع التصوير من يتولى إخباره بالحقيقة الصادمة، وبينما كانوا يخططون كيف يمهدون له الخبر الصادم إذ بواحدة من العاملين بالفيلم تتوجه له وتقدم العزاء في وفاة هالة فؤاد.

يحكي عشوب قائلا:» لحظات من الصمت مرت على الجميع قبل أن ينفجر زكي في نوبة صراخ هيسترية قائلا «أنا اللي موتها، أنا اللي قتلتها»، وعبثا حاول الجميع تهدئته بلا جدوى، وأصر أن يلقي عليها نظرة الوداع إلا أن الجميع منعوه لحساسية الموقف، مما اضطر فريق العمل لاستدعاء الطبيب بعدما أصيب بصدمة عصبية.

حزن زكي على هالة حزنا شديدا وظل فترة طويلة يعاني الاكتئاب، وحاول أن يقنع هيثم بالإقامة معه بعد رحيل أمه، وبالفعل شرع في تجهيز المنزل وبالأخص غرفة هيثم، إلا أنه طلب منه أن يظل مع جدته التي تربي في حضنها منذ انفصاله عن والدته، وحتى بعد زواجها وكانت له بمثابة الأم التي يصعب عليه فراقها، فوافق بالطبع على اختياره، ولكنه كان حريصا على رعايته بشكل دائم وليس فقط أيام العطلات، فلقد كان يشعر أن ابنه مر بظروف مشابهة لما عاشها في طفولته حيث اضطرته الظروف إلى أن يبتعد عن أبيه بسبب الانفصال، وأخرى باليتم بعد رحيل أمه.

فهل نجح الأسمر في تجاوز أزمة انفصاله عن حبيبة قلبه ورحيلها؟

الجنون

«حطمت التلفزيون فتصورت زوجتي أنني مجنون»، تلك العبارة التي جاءت على لسان الأسمر الموهوب تلخص حقيقة تعامله مع فنه، وكيف يمكنه أن يصل به الاستياء من أداء دور لحد الغضب، ومن ثم يتحول لشخص آخر يتصرف بطريقة قد تثير حفيظة البعض أو بالأحري «الرعب» وهو ما حدث فعلا.

كان زكي يشاهد على الفيديو فيلم «الراقصة والطبال» وسط عدد محدود من الأصدقاء وزوجته هالة فؤاد، ليكتشف أن سيناريو الفيلم الذي وافق عليه قد أدخلت عليه تعديلات أضرت بمضمونه (من وجهة نظره) وحولته من عمل اجتماعي يناقش قضية ما، إلى فيلم كوميدي «سخيف» كما وصفه، وخصوصا بعد «لي عنق الدراما» لإضافة بعض المشاهد الكوميدية التي كان يرى أنها تخل بالمضمون تماما، وعليه جن جنونه، وظل يصرخ «أنا أمثل كده ليه»، «ايه الزفت ده»، ومن شدة انفعاله قذف التلفزيون بكوب كان في يده، فتحطم، فانتبه لما فعله وهو يشاهد زوجته تقف مذهولة والرعب في عينيها.