ساهم تنوع الثقافات التي عاشها الفنان صقر الرشود منذ صغره، في إثراء تجربته الحياتية ثم الفنية، حيث عاش في طفولته بالهند مرافقاً لوالده الذي كان يعمل في تجارة اللؤلؤ، وخلال هذه الفترة أتقن لغة الأوردو، واطلع على ثقافات بلاد الهند المتنوعة، كما تعلم اللغة الإنكليزية، وعقب العيش في هذا البلد المترامي الأطراف، انتقل إلى العيش في المملكة العربية السعودية، وانخرط في حلقات الذكر بالحرم المدني.

استطاع الرشود اكتساب الكثير من هذه الرحلات، فغرست في ذهنه حب التعلم والقدرة على فهم الأمور وتفكيكها، والإقدام على خوض التجارب بجسارة وعدم التقوقع في شرنقة معينة، ربما تهدر عليه فرصة ثمينة، فاتبع أسلوب الحوار البناء، والاقتضاب في إيصال المعلومة، والتسلسل في رواية الحدث.

Ad

وكان الرشود من مواليد عام 1941، وكان مشغوفا بالفنون، وشهدت بداية ظهوره بدء مرحلة جديدة في عمر المسرح الكويتي، تتمثل في الاعتماد على النص المكتوب، والتخلي عن الارتجال الذي كان سائداً في تلك الفترة، وانطلق الرشود ذو الـ 17 عاما في فرقة المسرح الشعبي عام 1958، حيث أخذ يتردد على الرائد المسرحي محمد النشمي الذي كان يقدم المسرحيات بصورة مرتجلة.

وعندما بلغ الرشود 19 عاما بدأ أولى خطواته المسرحية بكتابة مسرحية «تقاليد» للمسرح الشعبي، وذلك في عام 1960، واتسمت تجربة الراحل بالشمولية، لأنه مارس التمثيل والكتابة والإخراج، كما كان له تجربة في التقديم التلفزيوني.

وكانت مسرحية «تقاليد» أول أعماله المكتوبة، حيث سجلت نهاية المسرح المرتجل، وقد تولى الرشود إخراج المسرحية، أما دور البطولة فقد اضطلع به الفنان الراحل النشمي.

جاءت إطلالة الرشود الفنية بانطلاق عصر جديد في المسرح الكويتي، هو عصر المسرح المستند إلى نص مكتوب بعد مرحلة الارتجال، لاسيما أن بدايات الحركة المسرحية في الكويت ارتبطت بمبادرات فردية بدأت مع حمد الرجيب، وأحمد العدواني، ومحمد النشمي وآخرين.

وفي عام 1963 شارك الرشود في تأسيس «فرقة مسرح الخليج العربي» مع منصور المنصور، وسالم الفقعان، وعبدالعزيز الفهد، وحياة الفهد وآخرين، فكرّس لها جهده ووقته وحياته، كان مؤلفاً ومخرجاً ومعداً لغالبية أعمالها، من بينها: «بسافر وبس» و«الخطأ والفضيحة» تأليف مكي القلاف، و«الأسرة الضائعة»، و«أنا والأيام» و«الجوع» تأليف الكاتب المسرحي عبدالعزيز السريع، و«المخلب الكبير» و«الطين» وهما من تأليفه وإخراجه، وشارك في التمثيل أيضاً، و«صفقة مع الشيطان» لجيروم. ك جيروم، إخراج إسلام فارس الإذاعي المصري المعروف، أدى بطولتها إلى جانب عبدالله غيث وزهرة العلا، و«عنده شهادة» في موسم تأليف الكاتب عبدالعزيز السريع، و«الحاجز»، من إخراجه، عرضت في الكويت وبغداد والقاهرة، وهي أول مسرحية لفرقة «مسرح الخليج العربي» تعرض خارج الكويت، وعرّفت العالم العربي على المسرح الكويتي.

عقب هذه المسرحية مباشرة، ابتعد الرشود عن المسرح لاختلاف في وجهات النظر مع أعضائها، ثم عاد في عام 1968، ولدى عودته شارك إخراجاً وتمثيلاً وكتابة في المسرحيات التالية:

«المرأة لعبة البيت»، مقتبسة عن مسرحية «بيت الدمية» لهنريك ابسن من إعداده وإخراج منصور المنصور. و«لمن القرار الأخير» من إخراجه وتأليف عبدالعزيز السريع، و«بخور أم جاسم» من إخراجه وتأليف محمد السريع، و«رجال وبنات» مقتبسة عن مسرحية «الغربان» لهنري بيك شارك فيها ممثلاً، إخراج منصور المنصور، و«تذكر قصير» لجوردن دافيوت، إخراج منصور المنصور و«الجحلة» مقتبسة عن «الجرّة» لبيرانديللو، إخراج صالح حمدان و«الدرجة الرابعة» من إخراجه وتأليف عبدالعزيز السريع، و«1، 2، 3، 4 بم»، وفي هذه المسرحية شارك في الكتابة مع عبدالعزيز السريع، و«ضاع الديك» من إخراجه، وتأليف السريع، و«شياطين ليلة الجمعة» و«بحمدون المحطة» وكتبهما مع زميله السريع.

«علي جناح التبريزي»

شكلت مسرحية «علي جناح التبريزي وتابعه قفه» تأليف الفريد فرج، نقلة نوعية في مشوار الرشود، إذ حصدت هذه المسرحية جائزة أفضل عرض مسرحي في مهرجان دمشق المسرحي، وعرضت في القاهرة وتونس والمغرب ودمشق إضافة إلى الكويت.

بعد نهاية العرض على مسرح صالة الحمراء بدمشق، استقبل الجمهور المسرحية بحماسة، وبكى الفنانون من شدة التأثر والفرح، وأجمع الحضور على أن المهرجان بدأ في اليوم الذي عرضت فيه المسرحية الكويتية.

بعد العرض صعد المؤلف ألفريد فرج على خشبة المسرح، وقال: «أخرج المسرحية سبعة مخرجين عرب في مصر وخارجها... لكن ما من شخص عرف قيمة النص ومفهومه مثلما عرفه صقر الرشود وأبدعه النجوم الكويتيون».

وفي الاتجاه ذاته، صدرت ردود فعل إيجابية في الندوة التطبيقية حول المسرحية، حيث قال حسن عكله (سورية): «العرض ممتع والممثلون خلاقون والإخراج متقن»، في حين، رأى سعيد المزوغي (لبنان): «أن المخرج استطاع أن يحطّم الحاجز الرابع بين الصالة والجمهور، وكذلك أدهشنا الممثلون».

وبدوره، قال عبدالفتاح الوسيع (ليبيا): «أضفى الإخراج على العمل النجاح الذي رأيناه»، أما عاصم عبدالحميد (مصر) فقال: «وصل هذا العمل إلى ما نحاول الوصول إليه، وهو المسرح المتكامل نصاً وإخراجاً». ومن جانبه قال وزير الثقافة السوري: «التجربة التي قدمها المسرح الكويتي هي علامة بارزة نحو هذا الطريق».

بعد النجاح الذي حققته المسرحية في مهرجان دمشق للفنون المسرحية، قرر المجلس الوطني للفنون والثقافة والآداب، الجهة الداعمة والراعية للعمل بإدارة رئيس قسم المسرح آنذاك عبدالعزيز السريع، القيام بجولة فنية شملت تونس والمغرب ومصر، وتقديم المسرحية فيها فحققت نجاحاً آخر، حيث عرضت في كل من الرباط والدار البيضاء، أما في القاهرة فحقق نجوم المسرح الأهلي الحديث نجاحاً لا يقلّ عن نجاحاتهم السابقة.

سعاد عبدالله: فنان قلّ نظيره

تعتبر الفنانة القديرة سعاد عبدالله الراحل صقر الرشود إنسانا استثنائيا ويقل نظيره، ولن يجود المسرح بمثله لسنوات طويلة، إنه صقر الأب والمعلم والأستاذ والموجه والمحب الذي التقت به عام 1966 بعد انضمامها لفرقة مسرح الخليج، وقد شكّل الرشود ذائقتها الفنية، ودفعها إلى القراءة، وقدّم لها أول كتاب لتقرأه هو «مرتفعات وذرينغ».

وأشارت عبدالله إلى موقفين مع الرشود؛ الأول عندما عرضت إحدى المسرحيات، وتوفي ابنه البكر، لم يخبر أحداً بذلك، كي لا يتأثر فريق العمل، وكان يملي عليهم الإرشادات من الكواليس، وبعد الانتهاء من العرض، فوجئ الجميع بأن ابنه قد توفي.

والثاني موقف طريف عند سفر الفرقة لتقديم عرض «الحاجز» عام 1966 في بغداد، وفي نفس الفترة حدث انقلاب هناك، وتورطت الفرقة، وكان الرشود مصرّاً على تقديم العمل، وقال له سفير الكويت لدى العراق: «الدنيا مقلوبة.. أين ستقدمه؟»، وعندما ذهب الرشود إلى حلاق وجده يشعر بالخوف الشديد والقلق، فحلق شاربه بالغلط، وعاد إلى الفندق، فكان المنظر مثيرا للضحك، رغم الأجواء الخارجية، ولم يعرض العمل.

«العالي للفنون المسرحية» يستذكره بعرض «الصقر»

كرّم المعهد العالي للفنون المسرحية صقر الرشود من خلال عرض «الصقر»، الذي يتناول مشوار المبدع الراحل، في لمسة وفاء تحسب لإدارة المعهد العالي للفنون المسرحية.

من جانبه، أكد عميد المعهد د. علي العنزي، أن لمسة الوفاء مرتبطة دائما بالمعهد، مشيرا الى أن هناك خططا في هذا الصرح الأكاديمي من أجل التماس مع الثقافة في الكويت والاهتمام بها، لأن المسرح قائم على جناحين هما الفن والثقافة.

وبين العنزي أن المعهد لديه فعاليات تسير في هذا الاتجاه، منها مسرحية «راوية الأفلام»، ثم أمسية للراحل اسماعيل فهد اسماعيل، ومسرحية عن الرشود.

المخرج العبقري

بدوره، قال مؤلف النص الكاتب علاء الجابر، مسرحية «الصقر» ما هي إلا محاولة لتقديم صياغة إنسانية، فنية لحياة رجل مسرح من الطراز الأول، صقر الرشود المخرج العبقري الذي يصعب أن يتكرر في تاريخ المسرح في الكويت، وهذا النص يعد أول عمل يتناول السيرة الذاتية لهذا المبدع الذي ودع الحياة شابا تاركا خلفه إنجازات يصعب تكرارها».

فريق العمل

العمل من تأليف علاء الجابر، وإخراج د. حسين الحكم، وتمثيل طلبة السنة الأولى بالمعهد: عبدالله البلوشي (صقر الرشود)، ومشاري السعيدان، ومحسن النجدي، وهيا السعيد، وشهد ياسين، وغدير الشريفي، وعبدالعزيز العنزي، وغدير حسن، وأحمد بن خميس، وشهاب المشايخي، ومشاركة خاصة من الفنان ومقدم البرامج عبدالرحمن الديّن، وعزف العود: عماد يحيى، وعزف الإيقاع: شملان القطان وعبدالله العمير، وأزياء: زينب عبدالسلام، وديكور: أحمد السناسيري، ومكياج: خالد الشطي، ومخرج مساعد: عدنان بالعيس، ومتابعة: د. سعداء الدعاس، وإشراف: د. علي العنزي، وكلمات وألحان أغنية «يا صقر»: علاء الجابر، وغناء: الفنان عادل الرويشد.

يذكر أن نخبة من الفنانين والكُتاب والأدباء حضروا العرض، ومنهم: محمد المنصور، وعواطف البدر، وليلى العثمان، ود. خليفة الوقيان، ود. سليمان الشطي، وعبدالله خلف، وطالب الرفاعي، وبدر محارب، وعبدالناصر الزاير، وميس العثمان، وعقيل عيدان، وطارق العلي، ونجف جمال.

معرض مقتنيات

يشار إلى أن التكريم، شهد معرضا خاصا لمقتنيات الراحل، كمستنداته الخاصة، مثل شهادة الجنسية الكويتية، ودفتر الشيكات، وشهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة الكويت بتقدير جيد جداً، وبطاقة عضويته التي حملت رقم (69) في فرقة المسرح الشعبي عام 1960، وقرار تعيينه خبيراً مسرحياً عام 1977 في الإمارات بموافقة مجلس الوزراء، وبراتب قدره 10 آلاف درهم.

وتضمن المعرض بعض الصور النادر التي تجمعه بالفنانة فايزة أحمد، وعبدالله غيث، ولقطات أخرى منتقاة من أعماله المسرحية.