شهدت منطقة الخليج العربي خلال الأسابيع الماضية توترات أمنية وسياسية رفعت احتمالات حدوث عمل عسكري بين الولايات المتحدة وإيران، وتراوحت هذه التواترات بين التلويح بالعمل العسكري والتهدئة، باعتبار الرئيس الأميركي ترامب أن إيران «دولة عظيمة في ظل القيادة الحالية»، وكل ذلك كان بقرار ومصلحة تحددها واشنطن دون أن يكون لدول الإقليم (مجلس التعاون أو العراق أو إيران) رأياً فيما يمكن أن يحدث من أعمال أو سياسات تؤثر في مستقبل دول المنطقة، وربما حتى خرائطها!

ففي النظر بتوترات الأسابيع الماضية ما يوضح أن تعامل واشنطن مع دول المنطقة جميعها، لم يتعد التعامل مع القاصر... رغم أن منطقة الخليج تعتبر من أكثر المناطق التي تحتوي على مصالح دول العالم، فهي تستحوذ على ما يتجاوز 50 في المئة من إجمالي احتياطيات النفط المؤكدة عالمياً، وتمتلك صناديق سيادية مستثمرة في الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا قيمتها التقديرية تصل إلى تريليوني دولار، لكن التعامل معها دولياً، وبلفظ أكثر تحديداً، من أميركا، لا يخلو من قدر عالٍ من الابتزاز الاقتصادي قبل السياسي والعسكري.

Ad

تهديدات و«نوبك»

فإذا كانت إيران تواجه بشكل مباشر التهديدات العسكرية، فإن دول مجلس التعاون، وتحديداً النفطية، تعاني «تغريدات ترامب» المتعلقة بأسعار النفط، وضرورة خفضها، عبر رفع إنتاج دول الخليج العربية، مع ربط هذا المطلب بحماية الولايات المتحدة لهذه الدول، ورغم أن ارتفاع أسعار النفط خلال الأشهر الماضية مرتبط بشكل جوهري بالعقوبات الأميركية ضد إيران والتي زادت شدتها مطلع الشهر الجاري، فإن ترامب يحمّل «أوبك» ودولها النفطية الخليجية مسؤولية ارتفاع الأسعار، ويدعوها إلى خفضها، وإلا ربط هذا الأمر بملفات الحماية والأمن.

ولم تكد تهدأ مطالبات ترامب بخفض الأسعار حتى أعيد في الولايات المتحدة فتح ملف إقرار قانون «نوبك»ــــ مشروع قديم ناقشه الكونغرس بداية الألفية ولم يُقر وقتهاــــ الذي يتيح رفع دعاوى قضائية لمكافحة الاحتكار ضد الدول الأعضاء في منظمة أوبك، مما يجعلها عرضة لعقوبات مالية قاسية بصفتها دولاً احتكارية لأهم منتج طاقة في العالم، ولديها سياسات تنسيقية تحدد أسعاره للمستهلكين، وهو تطور إن حصل فسيماثل أثره على دول المنظمة، وخصوصاً الخليجية النفطية، أثر أي عمل عسكري يمكن أن تشهده المنطقة.

يُضاف إلى ما سبق، تحديات متعددة تواجهها دول المنطقة في عصب اقتصادها، تتمثل في دخول صادرات الخام الأميركية على خط المنافسة في أسواق الخليج التقليدية وهي شرق آسيا، إذ أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن صادرات الخام في الولايات المتحدة في نهاية عام 2018 وبداية 2019 تأرجحت بين 3 و4 ملايين برميل يومياً، مقابل نحو 400 ألف برميل يومياً فقط، عندما رفع الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما في عام 2015 حظراً استمر أربعة عقود على صادرات النفط الأميركي.

هذه كلها تحديات تشمل دول المنطقة كلها، بغض النظر عن سياساتها أو مذهبها وعدائها أو خصوماتها لبعضها، ويبقى الأثر ذو المدى الأطول ما يتمثل في أثر الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين على اقتصاديات دول مجلس التعاون والعراق وإيران، إذ إن آثار هذه الحرب التجارية ستعني انخفاضاً في التصنيع الصيني، وبالتالي انخفاضاً في الطلب على النفط فتتأثر الأسعار ويزيد الضغط على هذه السلعة التي تمثل أساس اقتصاديات دول المنطقة بلا استثناء.

أزمات وابتزاز

أوضاع الإقليم وسهولة خلق أزمات فيه تعززان إمكانية ابتزازه من دولة عالية، إما بتهديد عسكري مباشر أو اقتصادي أو بالضغط لشراء أسلحة بمليارات الدولارات، ربما لا لمواجهة إيران فقط، بل كذلك لخلق سباق تسلح حتى بين دول التعاون، وخصوصاً بعد الأزمة مع قطر، التي رفعت وتيرة الإنفاق العسكري إلى مستويات قياسية، فوقعت كل دولة خليجية على الأقل صفقة شراء أسلحة كبرى أغلبها مع الولايات المتحدة ليصل إجماليها وفقاً للمعلومات المتاحة إلى 50 مليار دولار... وكلٌّ يخشى أن يؤدي التخلف عن شراء الأسلحة إلى دفع الثمن بشكل أو بآخر، وربما بشكل غير مباشر من أحد أطراف دول الإقليم.

ما الحل؟

وضع منطقة الخليج معقد، وإمكانية وضع حل سريع أو اتفاق يحد من الابتزاز الخارجي تبدو صعبة للغاية في ظل الأوضاع الحالية، ولكن من المفيد بدء محاولة الوصول إلى صيغة ما تقلل الاعتماد أو الارتهان للآخرين، مع إبقاء التحالف معهم وفقاً للمصالح الثنائية، وفي الوقت نفسه تقلل مخاوف دول المنطقة تجاه بعضها. وأفضل وأول ما يمكن أن يجمع دول الإقليم من مجلس التعاون وإيران والعراق هو المصالح الاقتصادية، وخلق التشابك فيما بينها، بما يقلل المغامرات غير المحسوبة، ويجعل سلوكيات دول المنطقة اكثر اهتماماً باستقطاب الاستثمارات الأجنبية، مثلاً، من استيراد الأسلحة.

هذا السلوك الاستثماري والاقتصادي سيتطلب تغييراً جوهرياً في سياسات الحكم والإدارة بالمنطقة، من حيث رفع المشاركة الشعبية فيها، والخروج من فردية القرار إلى مؤسسيته، فحتى العراق وإيران، رغم تداول السلطة النسبي فيهما والانتخابات، ليستا ديمقراطيتين من ناحية الحكم والمؤسسات. أما دول مجلس التعاون فأمامها طريق طويل لا توجد حتى النية لبدايته نحو خلق مشاركة شعبية فاعلة في نظم برلمانية، وتحسين آليات الإدارة واتخاذ القرار، وهو ما يفتح باباً ثالثاً من أبواب إصلاح الإقليم، ويتمثل في أهمية إلغاء مشروعات التوسع الخارجي لدول المنطقة كلها في سورية وليبيا ولبنان واليمن، وغيرها في سبيل حفظ مليارات الدولارات لمصلحة الشعوب والمستقبل والتنمية.

آن الأوان مع تنامي التحديات الاقتصادية والسياسية أن تعي المنطقة، التي تؤدي دوراً مهماً في صناعة مصالح دول العالم، مصلحتها، وتعمل لأجل مستقبلها، وأن تكون علاقتها مع الآخرين علاقة تحالف لا ارتهان، وأن تعقد صفقاتها وفقاً لاحتياجاتها لا الابتزاز، وقبل كل هذا عليها أن توقف خلق الضرر بنفسها إن أرادت أن تغير واقعها.