يشتهر بوتين بخطواته المفاجئة التي تضع ضحاياه أمام الأمر الواقع، فيضطرون إما إلى القبول بالوضع القائم الجديد غير المؤاتي أو إلى التفاعل بطريقة يعتبرونها عالية المخاطر. طبق بوتين هذه القواعد مع جورجيا، والقرم، وشرق أوكرانيا، وسورية، وسفن البحرية الأوكرانية في البحر الأسود، فضلاً عن دعم نظام مادورو في فنزويلا.

يجب أن يسعى مَن يُعتبرون أهدافاً محتملة لبوتين إلى توقع ما قد يفكّر فيه بهدف استباق خطوته العدائية التالية وتفادي أن يؤخذوا مرة أخرى على حين غرة، ويجدوا أنفسهم أمام خيارات محدودة.

Ad

يعشق بوتين المفاجآت، لذلك احذروا، فوفق التقارير، يُعتبر هذا أسوأ وقت قد تخرج فيه روسيا عن المألوف في سوقها الأوروبية للغاز، فقد تمكنت شركة غازبروم الروسية بصعوبة من إنقاذ مشروعها الرئيس (خط أنابيب السيل الشمالي 2 تحت البحر الذي يربطها مباشرةً بألمانيا) رغم معارضته شبه العامة في أوروبا، كذلك تواجه غازبروم تنظيمات جديدة غير مؤاتية وغير مقبولة: في 5 أبريل 2019، تبنى البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية توجيهات جديدة في مجال الغاز تفرض على غازبروم فصل عملية الإيصال عن الإنتاج، علاوة على ذلك وعدت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أوكرانيا بأن الغاز الروسي سيواصل تدفقه عبر أوكرانيا، سواء نُفذ مشروع السيل الشمالي 2 أم لا، ولا تنتهي الأمور عند هذا الحد: ومع خطر مواجهة منافسة من الغاز الطبيعي المسال الأميركي، ستسعى روسيا إلى التشديد على ثبات ما تؤمنه لسوقها الأوروبية الضخمة. أخيراً، من المؤكد أن منافسة الغاز الطبيعي المسال الأميركي ستمنع بوتين من الإقدام على خطوات عدائية قد تهدد عائدات روسيا من الغاز الأوروبي.

نستطيع أن نضيف عاملاً آخر من المفترض أن يكبّل سلوك غازبروم بشأن سوق الغاز الأوروبية: تشير تقارير غازبروم نفسها إلى أن خط أنابيب السيل الشمالي 2 لن يكتمل في مطلع عام 2020، كما كان مخططاً له، فلم تمنحه الدنمارك رخص بناء وطالبت بأن يبدّل هذا الخط طريقه، وتؤكد السلطات الأوروبية أن هذا التأخير قد يكون مهماً.

مع تأخير إنجاز خط السيل الشمالي 2 (تعادل قدرته نحو 85% من قدرة النقل عبر أوكرانيا إلى أوروبا)، لا يتبقى أمام روسيا خيار سوى الاعتماد إلى حد كبير على خط الأنابيب الأوكراني.

رغم هذه الوقائع، تعرب شركة الغاز الأوكرانية "نافتوغاز" عن قلقها من أن بوتين يرتب لإطلاق ما يماثل "خياراً نووياً في مجال الغاز" سيدفع أوكرانيا إلى الركود ويسبب نقصاً في الغاز في مختلف أنحاء أوروبا. يعتقدون أيضاً أن خطوة روسيا هذه ستحدث في الأول من يناير 2020 أو نحوه.

يشير خبراء الغاز الأوكرانيون بنوع من القلق إلى تكديس غازبروم الغاز في منشآت التخزين الأوروبية. ومع امتلاء مخازنها، تستأجر غازبروم المزيد من منشآت التخزين. تعتقد أوكرانيا أن الغاز المخزّن يُكدّس لاستيفاء الحد الأدنى من عمليات الإيصال الروسية المحددة في العقود إلى أوروبا مع تخطي خط الأنابيب الأوكراني بالكامل.

لنتأمل تداعيات هذا الخيار النووي: مع توقف الغاز عن التدفق عبر أوكرانيا، تتمكن غازبروم من الوفاء بالحد الأدنى المحدد في عقودها مع أوروبا فحسب، مستعينة بالغاز المخزّن. وفي حالة الشح هذه، ترتفع أسعار الغاز، ما يعوّض على غازبروم جزءاً مما تخسره مع انخفاض حجم المبيعات. أما أوكرانيا، التي تشتري الغاز الروسي من أوروبا، فتصبح معزولة فعلياً. لن تملك أوروبا كمية كافية من الغاز لتعيد ضخه إلى أوكرانيا، ومع تأرجح الاقتصاد وإقفال مرافئ آزوف شبه التام بسبب البحرية الروسية، تخسر أوكرانيا المليارات الثلاثة التي تتقاضاها من عائدات العبور والتي تشكّل نحو 3% من ناتجها الإجمالي المحلي. ومع فقدانها هذه العائدات، قد تنحدر أوكرانيا نحو الركود خلال السنة الأولى من عهد الرئيس الجديد فلاديمير زيلنسكي. وربما تأمل وروسيا أن يرضخ زيلنسكي المحاصر ويطلب التسوية مع روسيا بشأن القرم وشرق أوكرانيا. يعتمد قرار استخدام بويتن خياره النووي على حساباته الكلفة والمكاسب على الأمد القصير والطويل. من الجلي أن الخيار النووي يهدد بإلحاق ضرر طويل الأمد بتجارة الغاز الروسية مع أوروبا، كذلك يعزز إنشاء محطات للغاز الطبيعي المسال في مختلف أرجاء أوروبا ويدفع المشترين الأوروبيين إلى التهافت على هذا الغاز الأميركي، فلا تستطيع أوروبا تحمل كلفة المراهنة على مزوّد لمورد أساسي من هذا النوع لا يُعتمد عليه مثل روسيا، لكن الخيار النووي يحمل مكاسب مغرية على الأمد القصير، إذ يُخرج أوكرانيا من مجال إيصال الغاز، كذلك قد تنجح روسيا في زعزعة الإدارة الأوكرانية الجديدة التي يقودها رئيس شاب واسع الشعبية، بالإضافة إلى ذلك، تتمكن روسيا مرة أخرى من التربع على العرش وفصل أوروبا الشرقية عن الغربية. ولن تحقق ذلك بهجماتها عبر الإنترنت فحسب بل أيضاً بسلاح الطاقة الأكثر فتكاً. لننتظر خطوة بوتين.

* بول رودريك غريغوري

*«فوربس»