تتبع الإدارة الأميركية الحالية سياسة متشددة حيال إيران لإجبارها على تغيير سلوكها في الشرق الأوسط، وأسهم ذلك في تصاعد حدة التوتر في المنطقة، وهو ما ينذر بوقوع صدام من نوع ما بين الدولتين، ورغم أن المخرج من هذا التصعيد غير واضح، فإن الواضح هو تأثير السياسة الأميركية على الوضع الداخلي في إيران على الصعيدين الاقتصادي والسياسي.

لقد انسحبت الإدارة الحالية من الاتفاق النووي لسنة 2015 وتدرجت في فرض عقوبات اقتصادية على طهران، وصلت إلى حظر بيع النفط الإيراني، وأدى ذلك إلى تراجع حجم النمو الاقتصادي في إيران، وانخفاض قيمة العملة المحلية، وارتفاع معدلات التضخم، وبالتالي ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ودفعت الضغوط الأميركية بالرئيس الإيراني إلى التأكيد على أن الظروف المحيطة بإيران في الفترة الحالية هي أقسى من الظروف التي صاحبت الحرب العراقية– الإيرانية.

Ad

وأما على الصعيد السياسي فأسهمت السياسات الأميركية في تغيير موازين القوى لمصلحة المحافظين، وخصوصا المتشددين منهم على حساب التيار المعتدل، فروج الأخير– المتحالف مع الإصلاحيين– لأهمية الانفتاح على المجتمع الدولي والتوصل إلى اتفاق حول برنامج إيران النووي على أمل إنهاء عزلتها وتحسين وضعها الاقتصادي، إلا أن الضغوط الأميركية أضعفت من موقف المعتدلين والإصلاحيين، وأكدت صحة شكوك المحافظين، وعلى رأسهم مرشد الثورة في جدوى التفاوض مع الحكومة الأميركية والثقة بها، ويمكن القول إن سياسات واشنطن تصب في مصلحة المحافظين: فكل تحرك سلبي تجاه إيران، يقابله تراجع في دور روحاني وسياساته وتزايد ضغوط المحافظين عليه.

ولا يملك روحاني ولا الإصلاحيون أي خيار آخر أمام الضغوط الأميركية إلا التقارب والتنسيق مع المحافظين وحتى المتشددين منهم، وتعد ردود الأفعال تجاه إدراج أميركا للحرس الثوري على لائحة الإرهاب مثالا على ذلك، فشجب روحاني الخطوة، رغم الانتقادات التي كان يوجهها في السابق لسياسات الحرس الثوري.

كما ارتدى عدد من نواب البرلمان، ومن ضمنهم أعضاء عن التيار الإصلاحي، زي الحرس الثوري في إحدى الجلسات كخطوة رمزية، كما رفض مصطفى تاجزاده، وهو سياسي إصلاحي بارز كان قد سُجن سبع سنوات بعد أحداث 2009، الإجراءات الأميركية رغم تحفظه على بعض سياسات الحرس الثوري.

وقد يضطر روحاني إلى الرضوخ لضغوط المحافظين والتراجع عن سياسته الانفتاحية بسبب تهديدات الحرب، وهو ما يؤثر على مسار الثورة على المدى البعيد، فالثورات العظمى تمر بمراحل مختلفة إلى أن تنتهي وتتحول الدولة إلى حالة طبيعية بعيدة عن النفس الثوري وعن اللغة التصادمية.

ويمكن القول إن جزءا من صراع التيارات السياسية في إيران يتمحور حول تحديد مسار الثورة، فحكومة روحاني كانت تدفع باتجاه التخفيف من النفس الثوري، إلا أن سياسات ترامب أسهمت في انكماش هذا الاتجاه ضمن النخبة الحاكمة وتعزيز فكرة استمرار الثورة وعسكرة المجتمع والحد من التعددية النسبية في إيران، وهو ما يؤدي في المحصلة النهائية إلى تقوية التيار المحافظ وخصوصا المتشدد.

ويجب التذكير في هذا السياق بأن الانتخابات البرلمانية في إيران ستقام خلال أشهر، كما أن الانتخابات الرئاسية ستجرى خلال عامين، وأمام هذه الأجواء المتشنجة، وضعف موقف المعتدلين والإصلاحيين، قد يتمكن المتشددون من السيطرة على السلطتين التشريعية والتنفيذية وبالتالي تراجع الجهود الإصلاحية وتقوية النفس الثوري في الدولة، والعودة إلى أجواء السنوات الأولى من عمر الثورة وما رافقها من تأثيرات سلبية على الداخل والخارج، ويعد ذلك، إن تحقق، انتكاسة للسياسة الأميركية التي تأمل تغيير سلوك إيران وسياستها في الشرق الأوسط.