بدت العشرينيات إحدى أكثر الفترات إثارة في حياة الفنان محمود المليجي، إذ اتخذ قراره الصعب باحتراف التمثيل، لتنهار طموحات أسرته في أن يكمل تعليمه، ويتخرج في إحدى المدارس العليا.

لم يفكر الفتى في المتاعب التي ستلاحقه، وأخذته نشوة الثناء على موهبته من أساتذته فتوح نشاطي وجورج أبيض وعزيز عيد، وتحوَّلت فرقة المسرح في «المدرسة الخديوية» إلى عالم مليء بالإغراءات، وأحلام الشهرة والأضواء.

Ad

في تلك الفترة، لم يستجب التلميذ لنصيحة ناظر المدرسة الخديوية لبيب بك الكرواني، بأن يكمل تعليمه بجانب ممارسة الهواية التي يحبها، ولولا المصادفة التي جمعت بينهما في شارع عماد الدين (وسط القاهرة)، لتأخر احترافه التمثيل، وتضاعفت المعاناة التي عاشها، إذ رق الكرواني لحال تلميذه، واصطحبه معه إلى صديقته الفنانة فاطمة رشدي، لتعطيه فرصة للتمثيل في فرقتها، وبعد حل الفرقة وجد نفسه في مفترق طرق.

فرقة رمسيس

عاد الممثل المحترف إلى شارع عماد الدين، ليطرق أبواب المسارح، وكانت «فرقة رمسيس» إحدى أشهر الفرق المسرحية آنذاك، وتضم نخبة كبيرة من نجوم ذلك العصر. لكن المليجي بخبرته السابقة، ظن أن صاحب الفرقة يوسف بك وهبي، سيمنحه الفرصة من أول مرة، إلا أن الأخير لم يكن بحاجة إلى وجوه جديدة، فضمّ الممثل إلى الفرقة في وظيفة «ملقن» مقابل راتب تسعة جنيهات شهرياً.

كانت هذه الوظيفة بداية مسار جديد لحياة المليجي الفنية، فقد عمل في فرقة رمسيس في أوج تألقها، في بداية الثلاثينيات من القرن الماضي، أي بعد أكثر من سبع سنوات على تأسيسها في 10 مارس 1923، وكان الشاب الثري يوسف وهبي عاد لتوه من الخارج، بعد حصوله على شهادة المعهد الأعلى للتمثيل في ميلانو، ولاحظ تدهور المسرح، واتجاهه إلى الروايات الهزلية، فقرر الاستعانة بصديقه المخرج عزيز عيد لتأسيس هذه الفرقة، لتقديم روائع المسرحيات العالمية باللغة العربية الفصحى، واجتذب هذا النوع المسرحي جمهوراً جديداً، والتزم بضوابط وتقاليد راسخة في الأداء وموعد فتح الستار، وغيرها.

«الكمبوشة»

وجد المليجي في وظيفة «الملقن» فرصة لاستعادة رائحة الكواليس، ورؤية عميد المسرح العربي يوسف وهبي وسائر نجوم الفرقة، وكأنه واحد من أعضاء هذا الفريق، وفي كل ليلة، ينتظر دقات المسرح التقليدية، وانفراج الستار عن العرض المسرحي، بينما يجلس في «الكمبوشة» ليلقن الممثلين أدوارهم. وكان حريصاً على أن يكون صوته مسموعاً وخافتاً في ذات الوقت، وهو يعايش الأدوار، ويتمنى أن يأتي اليوم الذي يصعد إلى خشبة المسرح، وينحني لتحية الجمهور.

انتظر «الملقن» الشاب الفرصة ليصبح زميلاً لحسين رياض وروز اليوسف، وعزيزة صدقي، كما سبق في فرقة فاطمة رشدي، وزامل كبار النجوم، وقرر أن يتحمل هذا الألم في داخله، وأن يروض ذاته، ويطرد عن رأسه أنه كان بطلاً مسرحياً، وفتى أول على الشاشة، ومشهوداً له بالموهبة، فهل ستنتهي به الحال وهو في «الكمبوشة» والبديل أن يبحث عن مكان أو وظيفة أخرى!

عشق المليجي للتمثيل، كان سبباً وراء موافقته على الظهور كممثل «كومبارس»، ليغادر «الكموشة» في وقت لاحق ويقف على خشبة مسرح رمسيس مرتدياً «الملاءة اللف» (زي نسائي شعبي في فترة الثلاثينيات) وبدلة رقص شعبية، وهكذا وافق «عملاق الشر» على أداء أدوار نسائية، في محاولة لتثبيت قدميه كممثل، وإثبات قدرته على أداء أي دور.

على أية حال، ظل المليجي صابراً حتى جاءت الفرصة التي ينتظرها، عندما أسند إليه يوسف وهبي بعض الأدوار الصغيرة، وتدريجياً أصبح من نجوم الفرقة، وظل عضواً فيها لفترة طويلة، وتراكمت خبراته في الأداء التراجيدي، وشهد له عميد المسرح العربي بموهبته، حتى أنه قال بعد سنوات: «محمود المليجي هو الممثل الوحيد الذي أستطيع أن أقول إنه أفضل من يوسف وهبي».

وفي المقابل، قال المليجي عن أستاذه: «كان يكن لي تقديراً لا يوصف، ويعتبرني الامتداد الطبيعي له وكان يشركني في معظم أفلامه مثل «برلنتي» 1944، حيث أديت دور صحافي يبحث عن الفضائح، وفي العام نفسه أشركني في «غرام وانتقام» مع المطربة أسمهان‏،‏ وقمت بدور ابن عم زوجها القتيل (أنور وجدي) الذي تمكن من كشف القاتل، ولم يكن سوى يوسف وهبي ذاته‏، والفيلمان من بطولة يوسف وهبي وإخراجه».

قهوة الفن

اجتاز المليجي أصعب الفترات في حياته الفنية، وأصبح عضواً رئيساً في فرقة رمسيس. كان صغيراً، وأعتبر زملاءه بمنزلة آباء وأخوة، أبرزهم عمر وصفي، وبشارة واكيم، ومختار عثمان، ومنسى فهمي، وأحمد علام، وحسين رياض، ومحمد إبراهيم، وإبراهيم الجزار، وجمعته بهم مواقف وذكريات رائعة.

اعتبر المليجي أن هذه الفترة إحدى أهم مراحل التأسيس لفن التمثيل، والبداية لنهضة المسرح المصري، وقام بها فنانون رواد، حملوا على أكتافهم هذه المسؤولية، ولاقوا من المتاعب ما لا يتحمله إنسان. ولكنهم صمدوا بمواهبهم وإخلاصهم لفنهم، واستطاعوا أن يحققوا حضورهم، وسيظل تاريخ الفن يذكر عطاءهم المتفرد، ومنهم أستاذه عزيز عيد الذي علمه درساً لا ينساه في الالتزام الفني وعدم الغرور، كذلك يوسف وهبي، وحسين رياض، وفتوح نشاطي، وجورج أبيض، وغيرهم من العمالقة.

في ذلك الوقت لم تكن تأسست نقابة الممثلين، وكان المنتدى بالنسبة إلى المليجي وزملائه من الفنانين مقهى «قهوة الفن» وكان يقع إزاء «تياترو نجيب الريحاني» في شارع عمادالدين، وكان اسمه سابقا «تياترو رمسيس». كان الممثلون يجتمعون في ذلك المقهى، ويتباحثون في أمورهم الفنية والحياتية (شبه نقابة)، فيما الرواد الغرباء يأتون لرؤية نجومهم المفضلين، وشهد هذا المكان مآسي ومشاكل ومفارقات مضحكة.

يحتفظ أرشيف الإذاعة والتلفزيون المصري بحديث نادر للمليجي أشار فيه إلى ذلك المقهى: «أتذكر أن الفنان مختار عثمان كان يجلس إلى ركن خاص به، وكان يتضايق من ارتفاع الحرارة ويحب الهواء، فكان يأخذ مثلث اندفاع الهواء، ولا يسمح لأحد بأن يزاحمه في مكانه المفضل، وتجد الفنان حسين رياض يلعب بلياردو، وهي من هواياته المفضلة، ويستغرقه اللعب لوقت طويل، والكاتب سيد قدري يتناول «سميطاً وجبنة»، والفنان إبراهيم الجزار يقرأ شعراً، وبذلك صارت «قهوة الفن» بالنسبة إلينا حياة مصغرة».

الابن البكر

قطع المليجي شوطاً من حياته في المسرح، وعاش بين كواليسه ممثلاً وملقناً، ودانت له أدوار البطولة، وحقق حضوره بموهبته الجامحة، وعشقه فن التمثيل، ولذلك اعتبر «التياترو» بمنزلة ابنه البكر، وكان المفضل لديه عن السينما والتلفزيون والإذاعة لأنه يتعايش معه في ألفة، ويشعر من خلاله بتفاعله مع الجمهور، حتى أنه قال ذات مرة: «إذا لم تحفظ دورك جيداً، أو لم تندمج مع الشخصية كما يجب، حينها ستشعر بانصراف الجمهور من خلال الهمهمات وصوت تحريك المقاعد».

وكان المليجي يمنح الأولوية لخشبة المسرح عن الشاشة البيضاء: «لو تعارض العمل المسرحي مع آخر سينمائي، أضحي بالفيلم من دون تردد. كذلك أشعر بالراحة النفسية، وأنا على خشبة المسرح، وقد يحدث أن يصاب الممثل بوعكة، وتصل درجة حرارته إلى الأربعين، ولا يستطيع أن يمشي، ولكنه بمجرد أن يدخل من الكواليس، ويشم رائحة خشبة المسرح، كأنه أخذ حقنة مسكنة فيزول تعبه فوراً».

موهبة كوميدية

في لقاء مع الإعلامي الراحل طارق حبيب، قال المليجي، إنه غير دارس للتمثيل أكاديمياً، لذلك لن يستخدم مصطلحاً معيناً لوصف أسلوبه في تقمص الشخصيات، ولكن الانفعال لا يأتي من دون تحضير، كما ذكر، و«في الوقت ذاته لا بد من أن يترك الفنان نفسه للتلقائية، ولا يفكر بقصدية قبل دخوله إلى خشبة المسرح أنه سيمثل تراجيديا، أو يدغدغ نفسه لأن الدور كوميدي، وأيضاً في السينما، طالما قال المخرج «أكشن» ندخل في الشخصية»

كوميديا المليجي

ورغم أدوار الشر التي لاحقت المليجي خلال مشواره، فإنه كشف عن مواهبه الكوميدية سواء في المسرح أو السينما، وهو كان الممثل التراجيدي وعضو فرقة رمسيس المسرحية، ولكنه في الخمسينيات من القرن الماضي، عمل في فرقة إسماعيل ياسين، وذلك حتى منتصف الستينيات، وتوالت العروض مع نجم كوميدي استثنائي، صنعت له أفلام سينمائية باسمه، مثل «إسماعيل ياسين في الأسطول» وشاركه بطولته «شرير السينما» وفي أفلام أخرى عدة، ولا يحفظ لهما أرشيف التلفزيون المصري سوى مسرحية «كل الرجالة كده» إنتاج 1964، أخرجها السيد بدير، وشارك في بطولتها كل من تحية كاريوكا واستيفان روستي.

اعتبر النقاد أن يوسف وهبي سبق تلميذه المليجي في الكشف عن مواهبه الكوميدية، وهو كان التراجيديان الملتزم بالأدوار الجادة، وذلك في فيلم «إشاعة حب» 1960 للمخرج فطين عبدالوهاب، وبطولة: سعاد حسني، وعمر الشريف، وعبدالمنعم إبراهيم. وفي العام التالي، شارك المليجي في فيلم «يوم من عمري» للمخرج عاطف سالم، وبطولة: عبدالحليم حافظ، وزبيدة ثروت، وعبدالسلام النابلسي، وما زالت المشاهد التي جمعت شرير الشاشة مع النابلسي تفجر ضحك الجمهور.

كذلك ظهر عملاق الشر في أعمال كوميدية أخرى، من بينها مسرحية «انتهى الدرس يا غبي» 1974، تأليف لينين الرملي وإخراج السيد راضي، مع نجم الكوميديا محمد صبحي والفنان الكبير توفيق الدقن، ومحمد متولي، ولكن هذه النوعية من الأدوار، لم تغير وجهة نظر المخرجين في إعادة اكتشاف المليجي كممثل كوميدي، وعدم حصره في أدوار الشر.

وهنا ألمح المليجي إلى كسل بعض المنتجين والمخرجين، وحصرهم الممثل في أدوار نمطية، فكانوا يقولون «هاتوا فلاناً في دور كذا» وهذا نوع من الاستسهال، فالتمثيل ليس إبداعاً فردياً، مثل كتابة الشعر أو الرواية، بل يشتبك مع عناصر أخرى، من سيناريو وتصوير وديكور وإخراج، ولا بد من أن تتكامل هذه العناصر، ليخرج العمل بشكل جيد، وله مصداقية عند الجمهور.

وفي هذا السياق، تذكر المليجي موقفاً طريفاً مع أحد المنتجين، إذ اتصل به الأخير، ليقوم بدور محامٍ في فيلم من إنتاجه، ولم تعجب «شرير السينما» طريقة المنتج في عرض الدور، وقال له: «اذهب إلى نقابة المحامين، وهناك ستجد أي محامٍ يقوم بالدور أفضل مني».

لقاء العمالقة

في منتصف الأربعينيات، جاء لقاء العمالقة بين أشهر ثنائي فني في تاريخ السينما المصرية، وهما فريد شوقي، ومحمود المليجي وكلاهما خلع عليه النقاد والجمهور ألقاباً عدة، فالأول «ملك الترسو» و«وحش الشاشة» والثاني «عملاق الشر» و«شرير الشاشة»، وجمعت بينهما مئات الأفلام السينمائية على مدى نصف قرن أو يزيد.

فريد شوقي جمعته بمحمود المليجي، علاقة طويلة ممتدة، بدأت قبل دخول الأول معهد التمثيل، وكان المليجي يكبره بنحو 12 سنة، فقد كان شوقي ممثلاً هاوياً، يذهب في الإجازة الصيفية إلى كواليس فرقة يوسف وهبي، ويشاهد الممثلين، وذات مرة رآه يوسف وهبي، واختاره ليمثل دور كومبارس صامت، وكان حلم شوقي أن يقف على خشبة المسرح بجانب النجوم الكبار.

وذات يوم رأى المليجي شوقي في كافيتريا المسرح، فسأله من يكون، فقال له شوقي: «أنا تلميذ، وسأتخرج هذا العام، وسأصبح مهندساً لكني أهوى التمثيل»، فنصحه المليجي بأن يبقى في الهندسة من منطلق أن الراتب الوظيفي مضمون، فهم في الفرقة تارة يقبضون راتبهم وطوراً لا، حسب الإيراد، فقال شوقي إنه يشبع هوايته في الإجازة الصيفية ولا ينوي الاحتراف.

الطيب والشرير

تخلل أدوار الشر التي قام بها الفنان محمود المليجي، بعض الأعمال التي جسَّد فيها شخصية البطل الطيب، ومنها فيلم «الإيمان» 1952، للمخرج أحمد بدرخان، وشاركه البطولة فريد شوقي غريمه التقليدي في السينما. وقبل ذلك جمعتهما أفلام عدة، واعتاد الجمهور أن يرى «ملك الترسو» في دور البطل الطيب، بينما «عملاق الشر» يبدل أقنعته بين الانتهازي والمجرم وزعيم العصابة.

كذلك اعتاد جمهور السينما رؤية شوقي «الطيب» يسدد اللكمات إلى المليجي «الشرير» وينتهي الفيلم بانتصار الخير، مثل فيلم «رصيف نمرة خمسة» عام 1952 للمخرج نيازي مصطفى، ولكن ذلك العام جاء بمفارقة غير متوقعة، فقد كان للمخرج أحمد بدرخان رأي آخر، وبدّل أدوار النجمين في فيلمه «الإيمان».

ودارت الأحداث حول الشاب المستهتر «زناتي» (محمود المليجي)، الذي يحب بنت الجيران (زهرة العلا) ويهوى ركوب الدراجات النارية، ويشمر كمي قميصه ليبرز عضلاته، بينما جسَّد فريد شوقي دور صديقه الشرير. وتنقلب حياة «زناتي» عندما يصاب بالشلل، ويعلن توبته، ويتحمل مسؤولية أبناء شقيقة الراحل (سراج منير).

وتخلَّل «الإيمان» بعض المشاهد الفارقة بين الغريمين، فكان المليجي الطيب وصاحب المبادئ، بينما شوقي الشرير الذي يتلقى منه لكمات موجعة، وهو أمر لم يكن مألوفاً لجمهور النجمين. لكن في الأفلام اللاحقة، استردا قناعيهما، وقدما سلسلة طويلة من الأعمال ليصبح كل من «وحش الشاشة» و«عملاق الشر» أشهر ثنائي فني عرفته السينما المصرية.