على المفكرين من علماء الاجتماع والنفس والتاريخ والفلاسفة أن يعلنوا هوان أمرهم، وانهيار القيمة التي طالما أحاطت بعملهم، بل والقيمة التي اكتسبتها المعرفة بصورة عامة في ثقافات ما قبل سيادة الرأسمالية المتوحشة التي نعيشها.

في مؤتمر بفيينا سألني أحد الحضور خلال المائدة المستديرة الأخيرة للمؤتمر: ما الرسالة التي توجهها للرئيس الأميركي (كان ساعتها باراك أوباما) فيما يتصل بتعامله مع قضايا الشرق الأوسط. كان السؤال مفاجئا، فأجبت السائل وقد بدت علي الحيرة:

Ad

ــ إن كان الرئيس الأميركي شخصا قابلا للتعلم، والاستماع للعقل، فعليه أن يتوجه للعلماء الكبار الموجودين في أميركا ليستشيرهم فيما يجب فعله، لديه "أرجون أبادوراي" و"تشومسكي" وغيرهم. عليه إن استطاع أن يبتعد قليلا عن الأصوات المهيمنة على السياسات الأميركية، والتي تنبع من سيطرة مخيفة لكيانات اقتصادية، لا تنظر أبعد من حدود مكاسبها القصيرة أو المتوسطة المدى، كأنما مصير العالم الخارجي لن يمس أميركا.

لم أتخيل ساعتها أن هناك من يمكنه أن يكون أخطر على الحياة الإنسانية من منطق السياسات الأميركية وتوازناتها الناعمة، التي تسمح لها بالتحالف مع الشيطان لتحقيق مكاسب مباشرة، يمكن استخدامها في المعارك الانتخابية، وتجنب ضغوط لوبيات السلاح والمخدرات والكيانات الاقتصادية العابرة للقارات واللوبي اليهودي وغيرها على صانع القرار الأميركي. لكن الأمر ازداد سوءا مع ترامب، الذي أضاف حالة من الرعونة والاستعراضية على السياسة الأميركية، التي لا تخلو منهما بالأساس.

التوتر في الشرق الأوسط وصل إلى حدود دق طبول الحرب، برعاية أميركية استطاعت أن تفرض حالة من العصبية والعنترية على الخطاب السياسي المتبادل بين دول المنطقة. منطقة الشرق الأوسط بكل المعايير يجمعها مصير واحد، لكن قوى المركز الرأسمالي المستفيدة من تأجيج الصراع، لتبقى المنطقة سوقا لمنتجات الغرب ومنبعا للمواد الخام معا، تعمل على منع وصول الوعي السياسي والاجتماعي لشعوب المنطقة، إلى مرحلة العمل على تأمين المستقبل، بمنطق التعاون والتفاهم لا التناحر والتهديد.

هنا يتضح غياب المعرفة في مجالات العلوم الإنسانية، وهوانها على صُنَّاع القرار في الشرق والغرب. لقد حذر العلماء والمفكرون من تأجيج الصراعات، إن كنا نريد للنوع البشري أن يستمر؛ حذروا من حالة التعبئة المخيفة للسلاح في كل مناطق الصراع، وهي التعبئة التي لابد أن يتم تفريغها جزئيا عبر حروب إقليمية في دول العالم العاشر الذي نعيش فيه، كي تتمكن الدول المنتجة للسلاح من تحقيق مكاسب جديدة. حذر المفكرون من الاستهانة بقضايا تلوث البيئة، التي ستؤدي إلى تسميم أجواء الأرض بأمراض فتاكة، أو غرقها بفائض المياه السائلة من القطبين بسبب الاحتباس الحراري المستمر. حذروا من إفشال الدول وتشريد أهلها، كي لا يتحولوا إلى قنبلة إنسانية وسياسية واقتصادية تهدد العالم كله. لكن للأسف هانت المعرفة، وهان العارفون، إلا من سخَّر طاقاته لخدمة السادة الحمقى الذين يحكمون العالم. كل الدلائل تشير إلى أن نشوب حرب جديدة في الشرق الأوسط لن يكون في مصلحة أحد، حتى أميركا التي وصل استعراضها للقوة إلى منتهاه، بإرسال حاملات الطائرات حول العالم بلا ضابط، سوى حالة الانتفاخ الذاتي التي تعانيها السياسة الأميركية. ورغم ذلك فاحتمال نشوب الحرب قائم، رغم هذه الحسابات المخيفة. لقد نجحت الرأسمالية أن تدفع إلى الظل كل المعارف التي يمكنها أن تنقذ مستقبل البشرية، وأن تجعل الفلسفة الوحيدة الحاكمة للبشر هي منطق المكسب والخسارة بالمعنى الاقتصادي المتوحش المنفصل عن القيم الإنسانية، ليبدو أن البشرية أصبحت كقاطرة تتحرك بلا قائد نحو حتفها.