تُسمع في الكويت منذ فترة ليست بالطويلة أصوات في الدواوين ووسائل التواصل، وصولاً إلى البرلمان، تجزم بوجود اختلال غير طبيعي في النمو السكاني للمواطنين منذ تحرير البلاد من الغزو العراقي، وأن هذا الاختلال تجاوز 400 ألف شخص، أي 28 في المئة من المواطنين، وبالتالي لا يستحقون نيل الجنسية الكويتية لأنهم مزورون.

ويعرف النمو السكاني في أي دولة بأنه الفارق بين عدد المواليد مقابل الوفيات، إلى جانب النمو الحاصل من الهجرة - إن وجدت - ولعل هذا التعريف، إلى جانب حساب الأرقام، ينفيان بشكل كبير الكثير من الأوهام المتعلقة بدخول شعب آخر إلى الكويت بعدد ضخم دون أن يستشعر بهم أحد وقتها (...) فعدد الكويتيين في عام الغزو 1990 كان يبلغ 599 ألف مواطن - حسب بيانات البوابة الإلكترونية الرسمية - بينما يبلغ متوسط نمو السكان التراكمي منذ ذاك العام إلى العام الماضي 3.13 في المئة، وهذا يعني احتساب كل سنة على حدة - كما يوضح الجدول - بناء على السنة السابقة، وبالتالي ستنتج زيادة سكانية مختلفة في كل عام، وبشكل تصاعدي فإن كانت الزيادة في عام 1991 بـ 17.7 ألف مواطن ليصبح إجمالي المواطنين وقتها 617.7 ألفاً فإن الزيادة في عام 1992 تقاس مقارنة بالسنة السابقة، أي 1991 ليبلغ عدد المواطنين 637 ألفاً، وصولاً بحساب نفس النسبة إلى عام 2018 إلى عدد 1.402 مليون مواطن، وهو عدد متسق مع عدد المواطنين الكويتيين المسجلين رسمياً في سجلات المعلومات المدنية في نهاية العام الماضي عند 1.403 مليون مواطن.

Ad

النمو التراكمي

ويتضح من الأرقام أعلاه أن النسبة التي بني عليها القياس كنمو سكاني تراكمي «3.13» في المئة ناتجة عن متوسطات النمو السكاني حسب الخطط الخمسية السنوية - الموضحة في الرسم البياني - إذ بلغت بين عامي 1990 و1994 ما نسبته 3.67 في المئة، ومن عام 1995 إلى عام 1999 ما نسبته 3.45 في المئة، ومن عام 2000 إلى 2004 ما نسبته 3.28 في المئة، ومن 2005 إلى 2009 بواقع 3.04 في المئة، لتدنو نسبة النمو السكاني من 2010 إلى 2015 بالغة 2.61 في المئة، وتصل في السنوات من 2015 إلى 2018 إلى 2.5 في المئة، ويتضح من خلال هذه السنوات أمران أساسيان، أولهما أن الزيادة السكانية للمواطنين الكويتيين خلال الـ28 سنة الماضية كانت طبيعية ومتسقة مع المعدلات الطبيعية، والتي تتناسب مع تشجيع الدولة على الإنجاب، مثل الدعومات المالية أو المنافع الاجتماعية من صحة وتعليم وغيرهما، وثانيهما أنه لم يحدث في أي عام من أعوام البحث طفرة في النمو السكاني كنتيجة «الهجرة».

ورغم تشجيع الدولة على الإنجاب، فإن هناك تراجعاً في نسبة النمو السكاني بشكل لافت خلال السنوات الأخيرة مقارنة بنهاية الثمانينيات من 4.13 في المئة إلى 2.5 في السنوات الأخيرة، نظراً لتزايد صعوبات المعيشة والسكن، وميل الأسر إلى الإنفاق أكثر على التعليم الخاص بدلاً من العام المجاني، والوعي الاجتماعي بالتركيز على جودة الأبناء لا عددهم فقط.

فرضية التزوير

أما فرضية وجود أكثر من 400 ألف مواطن مزور فتتطلب نمواً سكانياً نسبته من 4.5 إلى 5 في المئة سنوياً، وهو ما لم يحدث في الكويت قط منذ تحريرها، ولا حتى في السنوات السابقة للغزو العراقي، حسب بيانات الإدارة العامة للإحصاء، وبالتالي فإن احتمال دخول شعب جديد على الكويتيين يتضاءل إلى حد بعيد، ويحتاج إلى إثباتات حسابية ومادية ممن يتبنى مثل هذه الفرضية.

ولعل رقم 400 ألف مواطن يستحق أن يكون باعثاً للقلق من زاوية أخرى بعيدة عن أوهام التزوير، وذلك في كون هذا الرقم يماثل عدد القادمين لسوق العمل خلال الـ12 عاما القادمة، في وقت تعاني الدولة العجز عن خلق فرص العمل، وإنفاق أكثر من نصف ميزانياتها على الرواتب وما في حكمها من مصروفات، كما أنه قريب من رقم نحو 500 ألف مواطن بلا سكن مستقل، أو حوالي 580 ألف طالب وطالبة يتلقون مستويات تعليمية منخفضة، مقارنة بما ينفق على التعليم من أموال، وغير ذلك من تحديات لمعظم الكويتيين والمقيمين تشمل خدمات الصحة والطرق وغيرها كثير.

فلذلك قد لا يكون طرح عدد مزوري الجنسية الضخم والمبالغ فيه من زاوية عنصرية فقط، بل يمكن أن يكون لتبرير فشل الدولة في تقديم خدماتها أو تنفيذ مسؤولياتها، وعندها يسهل قول إن الـ400 ألف مواطن الذين تعاني الدولة في خلق فرص عمل لهم هم نتاج 400 ألف مزور للجنسية، وينسحب الأمر على التعليم والصحة والسكن، إذ إن خلق الانقسام في المجتمع ربما يكون من أدوات الإدارة العامة التي لم تنجح في معظم مهامها.

لا شك أن أمام الكويت تحديات متعددة، بعضها يتعلق بمحيط إقليمي مختلف عما تعودناه منذ سنوات طويلة، وباتت احتمالات الانفجار فيه متاحة أكثر من أي وقت مضى، ووضع داخلي يشكو فشل الإدارة الحكومية في تنفيذ أي مشاريع تنموية ناجحة، بينما تزداد التحديات المالية والاقتصادية أكثر من أي وقت سابق، وبالتالي فإن آخر ما ينقص المجتمع هو الانشغال بقضية غير موجودة أصلا، في حين أن المنطق يفرض علينا أن نتأمل حولنا وداخل بيتنا، كي نتجنب الاصطدام بالأسوأ إقليمياً أو محلياً.