يراهن القائد الفنزويلي خوان غوايدو على أن تساهم التظاهرات المدنية الضخمة والاضرابات العامة في زعزعة ولاء الجيش للحاكم المستبد نيكولاس مادورو، وإنهاء حالة المواجهة السياسية في كاراكاس، فقد لقي كثيرون حتفهم، ولا شك أننا سنشهد المزيد من أعمال العنف، لكن تفادي هذه الأعمال مهم لأن الأسلوب السلمي ينجح في إسقاط الحكام المستبدين بفاعلية أكبر من أي مقاربة أخرى.

تتّبع حركات الاحتجاج المحلية غالباً مسارات تبدأ بالمواجهة ثم العنف فالتدخل الأجنبي، وفي فنزويلا، أقحم بوتين نفسه شخصياً في هذا الصراع، حاضاً مادورو على عدم الهرب ومرسلاً عملاء روساً وأسلحة إلى فنزويلا، كذلك درست الجمعية الوطنية الفنزويلية فكرة اللجوء إلى الدستور كي تطالب علانية بمساعدة عسكرية خارجية بموجب مسؤولية الحماية، حتى إن البعض يحضون ترامب على إنهاء هذا الخطر المعتمل، لكن غزو فنزويلا ليس الحل، في الوقت الراهن على الأقل. عندما ندرس الجهود الناجحة التي تشبه ما يقوم به غوايدو وزملاؤه في فنزويلا اليوم، نتوصل إلى نموذج فاعل: لكي تنجح هذه الحركة، يجب أن تملك الأعداد والانضباط. لكن الأهم من ذلك ضرورة أن تلهم مَن هم في قوى الأمن في الدولة على تبديل ولائهم.

Ad

يشير كل ما كُتب عن المقاومة المدنية إلى قاعدة 3.5%، وما من حركة حظيت بمشاركة ناشطة ومستدامة من 3.5% من الشعب أخفقت، حتى إن بعضها نجح بأقل من ذلك بكثير، وفق إريكا تشينويث، عضو في هيئة التدريس في مدرسة كينيدي في جامعة هارفارد.

نزل عشرات الآلاف إلى شوارع فنزويلا، ولكن ما الأعداد المطلوبة للإطاحة بمادورو؟ لنفترض أن عدد السكان خمسة وعشرون مليوناً (بعدما هرب نحو ثلاثة ملايين لاجئ أو أكثر). تشير عملية حسابية بسيطة إلى أن الرقم السحري يكون مليوناً تقريباً، ولا شك أن من الصعب التدقيق في الأرقام في بيئة متقلبة مماثلة، ولكن من الممكن بلوغ الحشد المطلوب قريباً، هذا إذا لم يُحقَّق بعد. إلا أن العدد المطلق ليس وحده المهم، ولإرغام مادورو على الرحيل يجب أن يكون الحشد منوعاً أيضاً (من حيث الطبقات الاجتماعية، والفئات العمرية، والجنس) ومنتشراً جغرافياً.

باختصار، تُظهر الأبحاث أن احتمال رحيل مادورو يزداد كلما بدا المناهضون له نسخة مصغّرة عن المجتمع الفنزويلي أكثر منه مجموعة من المتظاهرين العاديين. يؤدي مثيرو الشغب العنيفون إلى تراجع أعداد المتظاهرين بما أن مَن يترددون في الانضمام إلى التظاهرات سيقررون البقاء في المنزل، حيث ينعمون بأمان نسبي، كذلك يدفع العنف قوى الأمن إلى استخدام تدابير مريعة أو حتى يبرره إلى حد ما، لكن الشعب الفنزويلي ظل منضبطاً على نحو مذهل حتى اليوم.

ولكن في الأوضاع اليائسة كتلك التي تمر بها فنزويلا اليوم، إذا لجأت المعارضة إلى العنف أو بالأحرى عندما تقوم بذلك، يتراجع بقوة احتمال رحيل مادورو من دون تدخل أجنبي. بكلمات أخرى، تكشف الأبحاث أن العنف يقلص الأعداد، فيزداد الوضع سوءاً بسرعة، مما يعزز احتمال أن يعمد كلا الطرفين، مادورو وغوايدو، إلى الدعوة لتدخل أجنبي من روسيا وفنزويلا على التوالي.

هل يبدّل الجيش ولاءه؟ لطالما شكّلت عمليات الفرار محور السؤال الأكثر أهمية. أظهر مادورو حتى اليوم أنه قادر على اكتشاف الثورات، صحيح أن 1500 جندي تقريباً فروا، إلا أن كبار المسؤولين العسكريين لم يبدّلوا ولاءهم، لكن هذا الوضع قد يتبدل بسرعة من خلال مفهوم يُدعى "الارتداد" ويُعرفه عالم الاجتماع في جامعة روتجرز كورت شوك بأنه تراجع في قوة وشرعية سلطة تستخدم القمع العنيف ضد مدنيين يمارسون حق التظاهر السلمي.

عندما تمارس القوى الأمنية التابعة للنظام أعمال عنف غير مبررة ضد متظاهرين سلميين، تجذب أعداداً أكبر إلى الشارع، وكلما كثُرت في وسائل التواصل الاجتماعي صور النظام وهو يقود الدبابات في وجه الحشود، يضرب مدنيين عزلاً في الأزقة، ويطلق النار بدون تمييز من الأبنية، ارتفعت أعداد المتظاهرين، وقد يدفع هذا القوى الأمنية إلى تبديل حساباتها، مما يؤدي في الحال إلى ارتفاع سريع في أعداد الفارين.

نلاحظ أيضاً إشارات إلى انقسام النخبة، فيعكس إطلاق السراح العشوائي للقائد المعارِض البارز ليوبولدو لوبيز بعد نحو خمس سنوات في الإقامة الجبرية وعجز النظام عن إصدار حتى مذكرة اعتقال بحق غوايدو مدى التفكك في برج الحاكم المستبد.

لا يستطيع أحد في هذه اللحظة بالتحديد التوقع بثقة حول مصير الديمقراطية في أي بلد، فكيف إذا كانت في فنزويلا؟ لكننا نستطيع أن نستخلص بعض الأفكار العامة عن مستقبل مادورو من أبحاث العلوم السياسية.

شددت الولايات المتحدة العقوبات على نفط فنزويلا الخام، الذي يشكّل مصدر الأموال المشروع الأخير المتاح للنظام، وما زال كثيرون يبحثون بدأب على صعيد دولي عن المواضع التي خبأ فيها النظام ما نهبه من مال. تُعتبر هذه الثروة المسروقة ضرورية لاستمرار أي حاكم مستبد.

في الختام، يظل الأهم البقاء في السلطة: إذا واصل الفنزويليون نزولهم إلى الشارع يوماً بعد يوم بأعداد أكبر وتنوع أوسع، متظاهرين بطريقة سلمية، فيما تضيّق واشنطن الخناق على مادورو من الخارج، لا شك أن مادورو سيهرب إلى كوبا أو روسيا وهو يجر أذيال الخيبة.

ولكن إذا تحولت فنزويلا إلى شرك حرب بالوكالة بين روسيا والولايات المتحدة، فلن تحمل النتائج إذاً راحة تُذكر لشعب فنزويلا المحاصر أو لمن يشعرون بالقلق حيال العدو الراسي جنوبَ الحدود الأميركية.

* «كلاي فولر راين بيرغ »