الحروب الأهلية هي صراع بين فئات اجتماعية أسبابها عنصرية وطائفية وسياسية، قد صاحبت وجود الإنسان على الأرض منذ الأزل. وبتطور الإنسان ورقيه في العلم والثقافة قلت وضعفت تلك الحروب، وتستطيع أن تعرف مدى تخلف الشعوب وأنظمتها من خلال استشراء وتصاعد وتيرة الحروب الأهلية، وإن البحث في جذور تلك الحروب وأسبابها يقودنا إلى صراع إثنيات في المجتمع لأسباب عنصرية أو طائفية وسياسية واقتصادية وأحياناً مناطقية جغرافية.

وقد شهد عدد من الأقطار العربية هذا النوع من الحروب في تاريخها، خصوصا في التاريخ الحديث والمعاصر مثل: لبنان والعراق وسورية وليبيا والصومال وغيرها، وقد كانت ولا تزال العوامل الداخلية هي الأساس، ثم يأتي العامل الخارجي لمصالحه، فيناصر أحدها الآخر لأسباب عديدة. فقد وقفت فرنسا مع المارونيين، ووقف الإنكليز مع الدروز في الحرب الأهلية اللبنانية الأولى 1860م، ووقفت أميركا مع النفوذ الإيراني في العراق بعد 2003م، وهكذا، والتدخل الخارجي في أزمات العرب الداخلية لا يحدث لو لم تكن الأوضاع الداخلية تسمح بذلك. وإن الوقوف عند أسباب تلك الحروب هو المدخل لفهم طبيعة الصراع الداخلي، وكيفية معالجته، فالحروب الأهلية هي نتيجة التخلف، ولكن تدخل فيها أيضاً نخب متعلمة، وربما مثقفة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

Ad

وقضية التخلف ليس مجالها هنا، ومفتاح التخلص منها هو التعليم النوعي والثقافة والحداثة والنهج الديمقراطي، وقد تخلصت شعوب ودول من التخلف والحروب الأهلية، ولا يزال العرب يعيشون في ذلك المستنقع. وليس صعباً معرفة الآثار المدمرة للفكر والإنسان والمجتمع من جراء تلك الحروب، فهي تستهدف وحدة المجتمع وهويته واستقلاله، وتهدر إمكاناته وقيمه، وتضيع نتيجة ذلك الفرص التاريخية للنهضة والتطور. وقد نكون نعيش وهماً ونحن نتحدث عن الحداثة والتقدم في الوقت الذي تستشري الحروب الأهلية في أرجاء وطننا العربي سواء الحروب المعلنة منا أو المستترة، ويوم انتهاء هذه الحروب يتم الاستقرار والاستقلال والسلم الاجتماعي لتبدأ بعدها مرحلة التطور والتقدم. إن الحروب الأهلية كوارث تحتاج الشعوب بعدها جهداً ووقتاً وإمكانية لعودة الأمور إلى ما كانت عليه لتبدأ رحلة الألف ميل من جديد، وقد ندور في الحلقة المفرغة وتدور الدائرة ونعود إلى نقطة الصفر. إن آثار الحروب الأهلية سرطان يتمدد خارج منطقة الإصابة، وإن العقلاء هم الذين يسارعون إلى العلاج قبل انتشار خلايا المرض، ويدخل الفكر في ذلك الصراع وتلك الحروب إذا جاز لنا أن نسميه صراعاً فكرياً لأن الصراع الأيديولوجي أيضاً جزء من تلك الحروب.