تداولت وسائلُ التواصل الاجتماعي مقطع فيديو يحمل تسجيلا لصوت مواطنة تصرخ: "عمّك أنتَ مو عمّنا، هو موظف حاله حالنا"، ووجدتُ نفسي أفكر في هذه الكلمة البسيطة التي استفزت هذه المواطنة، وتستفز آخرين أحياناً؛ تساءلتُ لماذا نتحسس من هذه الكلمة البسيطة؟ وبدا لي أن الموضوع يستحق اهتماماً جاداً، وخصوصا للمهتمين بمعاني ودلالات الكلمات.

فعلمُ الدلالة يُعنى بدراسة معنى الكلمة في سياق معين، ويتجلى معنى الكلمة في اللغة عن طريق استخداماتها المتعددة في سياقات مختلفة وبالتجاور مع تراكيب معينة، ويركز علماء اللغة على السياقات التي تستخدم فيها الكلمات. يقول الدكتور نسيم عون، الأستاذ المساعد في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية، "من الخطأ البالغ أن تكون الإشارة إلى المشار إليه أو وصفه، عن طريق معنى الكلمة المجردة، فللكلمات عدة معان، بعضها يكون شديد الغموض، ونحتاج الرجوع إلى السياق وفهمه لتحديد معنى الكلمة". أي أن دراسة لمعاني الكلمات ودلالاتها تتطلب تحليلا سياقياً للمواقع التي وردت فيها الكلمات، ولنأخذ بحث الدكتور يوسف البدر، أستاذ اللغويات في الهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، في اختلاف معاني الفعل "دشّ" في اللهجة الكويتية، الذي يعني "دخل" في اللغة العربية. يقول الدكتور البدر إن المعنى المجرد للفعل دش، يحمل معناه الحركي أكثر مما يحمل معنى فعل "دخل" (الدخول الفعلي الحركي بتغيير المكان). ويذكر في دراسة موضوعها 24 شاباً كويتياً في المجالس الخاصة بالذكور (أو الديوانيات) عدداً من الأمثلة، مثل "دش تويتر"، بمعنى سجل دخوله موقعاً من مواقع الإنترنت، و"دش المنطقة"، بمعنى وصل شخص إلى المنطقة وليس معناه أنه دخل عبر الباب. ويوضح الدكتور نسيم عون أيضاً أن هناك عدة أنواع من السياقات، أهمها سياقان؛ اللغوي والثقافي، وتعتمد الكلمة على سياقها، ومنه تأخذ بالتالي معناها. مثلا يختلف معنى كلمة "سلك" إذا ارتبطت بكلمة "كهربائي" عن معناها إذا ارتبطت بكلمة "سياسي"، وجاء اختلاف المعنى في هذا المثال نتيجة استعمال الكلمة في نظام جملة تتجاور فيه مع كلمات أخرى تختلف تراكيبها، وبذلك تكتسب معنى مغايراً. ويتفق علماء اللغة على أن علم اللغة الدلالي أصبح ذا كيان خاص به يسمى علم اللغة التطوري، في ضوء واقعة أن استخدام الكلمات تاريخياً، يتغير مع الزمن، ويؤدي هذا إلى تغيير في المعنى. ولهذا التطور في المعنى، أو بالأحرى لهذا التغيير، أسباب تاريخية واجتماعية وثقافية ونفسية.

Ad

ويجري هذا التغيير، بإجماع علماء اللغة، بتخصيص أو تضييق الدلالة، بتعميمها أو توسيعها، برفعها أو انحطاطها. وبالعودة إلى كلمة "عم"، نجد أن المعنى الأصلي للكلمة في أي منجد لغة عربية هو "شقيق الأب"، وفي ثقافتنا في الكويت، وربما في دول الخليج والدول العربية الأخرى، تطلق كلمة "عم" على كبار السن من الرجال، بمختلف أصولهم، تأدباً وتعبيراً عن الاحترام والتقدير لهم، أما بالنسبة إلى الإناث، فتطلق كلمة "خالتي" على الكبيرات في السن منهن، وتساءلتُ مراراً وما زلت أتساءل، لماذا عم وخالة، وليس خال وعمة كاستخدامها في بلاد الشام مثلاً؟ ما يجري حالياً على كلمة "عم" هذه بالذات من تطور وتغيير ثقافي وسياسي بالأحرى هو اتخاذها دلالة على الرجل ذي النفوذ على فئة أدنى منه، ففي الماضي استُخدمت كلمة "عم" من قبل الصبية العاملين للمعزب (التاجر وولي النعمة). أما الآن فيحمل استخدامها من بعض الناس في الإشارة إلى رجال من موظفي الدولة، والمفترض أنهم ينتمون إلى الطبقة نفسها، تمييزاً اجتماعياً لا موجب له.

والجدير بالذكر أن كلمة "عم" تُستخدم بكثرة في السياق السياسي، ولعل هذا الاستخدام للكلمة من قبل البعض أو مجموعة من التابعين أو المؤيدين في وسائل التواصل الاجتماعي، دليل واضح على وجود صراع سياسي في المجتمع.