اعتمدت واشنطن منذ 2014 على «وحدات حماية الشعب» الكردية السورية للقضاء على تنظيم «الدولة الإسلامية» في سورية، بيد أن سياستها في التعامل مع «وحدات حماية الشعب» في سورية، حيث ساعد الدعم الذي قدّمته الولايات المتحدة المجموعة في الازدهار، قوّضت في الوقت عينه السياسة الأميركية المتعلّقة بـ»حزب العمال الكردستاني» في تركيا، أي «المنظمة الأم» التي انبثقت عنها «وحدات حماية الشعب» والتي ينبغي على واشنطن السعي إلى فرض القيود عليها، وأفضت المساعدات التي قدّمتها الولايات المتحدة لـ»وحدات حماية الشعب» الكردية إلى تشديد عزيمة «حزب العمال الكردستاني» إذ تُعدّ الأولى الفرع السوري لهذا الحزب الذي يتّخذ من تركيا مقرا له والذي أدرجته الولايات المتحدة على لائحة المنظمات الإرهابية ودخلت أنقرة في صراع مستمرّ معه منذ عقود.

إلا أن القرار الذي اتخذه الرئيس ترامب مؤخرا بالانسحاب من سورية، بالرغم من القرار الذي أعقبه بترك عدد محدود من القوات في البلاد في الوقت الحالي، قد خلط الأوراق بطريقة غير مباشرة وغيّر العلاقات بين الولايات المتحدة والمجموعتيْن الكرديتيْن وأنقرة أيضا.

Ad

وتعارض تركيا معارضة شبه شاملة السياسة الأميركية المتعلقة بـ»وحدات حماية الشعب الكردية». وينظر بالتالي عدد كبير من الأتراك إلى تضعضع العلاقة المحتمل بين الولايات المتحدة وهذه الوحدات من منظور إيجابي، وقد يساعد هذا التحوّل في وقف المدّ المتعاظم في تركيا والمناهض لأميركا.

ويشكّل الاستقرار على طول الحدود الجنوبية لتركيا مصدر قلق كبير لأردوغان، غير أن أنقرة لا تملك الموارد اللازمة لاحتلال مناطق سورية شاسعة والاحتفاظ بها أو لمحاربة «داعش»، فقرار ترامب الانسحاب من سورية يثقل كاهل تركيا بدولة مجاورة غير مستقرة وفاقدة للسيطرة.

وتواجه بدورها «وحدات حماية الشعب» مشكلة أيضا، فقد أدّى قرار ترامب الانسحاب من سورية– من غير قصد– إلى تغيير العلاقة بين «حزب العمال الكردستاني» و»وحدات حماية الشعب» الكردية، ودفع بالتالي بهذه الأخيرة إلى موقف تضطرّ فيه على الأرجح إلى التفاوض أيضا، ومن دون الدعم الأميركي، تتعرّض «وحدات حماية الشعب» لخطر اكتساحها من قبل نظام الأسد أو تركيا وتفقد بالتالي ما كسبته من أراض. وبعبارات أخرى، فقدت «وحدات حماية الشعب» رونقها ونجاحها الذي ميّزها عن غيرها من فروع «حزب العمال الكردستاني».

وقبل عقد تقريبا من اندلاع الحرب السورية، انبثقت «وحدات حماية الشعب» عن «حزب العمال الكردستاني» كالجناح العسكري لـ»حزب الاتحاد الديمقراطي» في سورية في عام 2003، وعلى مدى سنوات شكّلت قوّة «حزب العمال الكردستاني» القوّة المحركة لـ»وحدات حماية الشعب». ولكن منذ عام 2014، أدّى التعاون الأميركي مع هذه الوحدات إلى قلب هذه العلاقة رأسا على عقب. فقد أفضت النجاحات التي حققتها «وحدات حماية الشعب» بدعم أميركي، جزئيا، إلى تشديد عزيمة «حزب العمال الكردستاني» وغياب احتمال المفاوضات بين المجموعتيْن.

واعتمدت واشنطن على القوات البرية لـ»وحدات حماية الشعب» كجزء من استراتيجيتها ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» وتجاهلت العلاقات التي تربط بين هذه الوحدات و»حزب العمال الكردستاني» لأسباب تتعلّق بالنفعية. وحققت «وحدات حماية الشعب»، جزئيا بفضل هذا الدعم، سلسلة من النجاحات العسكرية: في عام 2014، استعادت هذه الوحدات بمساعدة الولايات المتحدة مدينة كوباني السورية من سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» وأعلنت الاستقلال الذاتي فيها. وبسطت بعد ذلك سيطرتها على ما يقارب ثلث الأراضي السورية– أي على منطقة تداني بحجمها تقريبا ولاية فيرجينيا الغربية الأميركية، وأعلنت «وحدات حماية الشعب» الاستقلال الذاتي في هذه المنطقة وفقا «لنموذج كوباني» في تحرير المدن من براثن «الدولة الإسلامية» وأنشأت الإدارة المدنية الكردية.

وعزّزت هذه المكاسب «وحدات حماية الشعب» التي أصبحت على حين غرّة الجناح العسكري الناجح في منطقة تتمتّع بإدارة مستقلة وعكس ذلك بالتالي العلاقة التاريخية التي جمعت بين المجموعة و«حزب العمال الكردستاني». وشدّدت هذه النجاحات بدورها من عزيمة الحزب الذي كان آنذاك منخرطا في محادثات السلام الجارية مع الحكومة التركية والتي بادر بها أردوغان في عام 2012 بهدف إنهاء الحرب التي استمرّت أربعة عقود مع أنقرة.

وانهارت المحادثات في عام 2015 عندما غيّر «حزب العمال الكردستاني» مساره، وشنّ في ذلك الصيف حربا ضارية ضد أنقرة للاستيلاء على مدن في جنوب شرق تركيا بالقرب من الحدود السورية في محاولة لتوريد «نموذج كوباني» الذي أنشأته «وحدات حماية الشعب» من سورية إلى تركيا.

وغني عن القول أن هذه المحاولة قد باءت بالفشل، فقد سحقت أنقرة التي تملك ثاني أكبر قوة عسكرية في الميدان في حلف (الناتو) «حزب العمال الكردستاني»، ومع ذلك، استمرّت مكاسب «وحدات حماية الشعب» في سورية في تنشيط «حزب العمال الكردستاني» بالرغم من إخفاقاته، ويتحكّم «الابن» السوري لهذا الأخير بجزء كبيرة من حقول النفط في البلاد ويمكنه الاعتماد– حتى ماض ليس ببعيد– على دعم الولايات المتحدة المطلق لحماية هذه الأصول.

وفي ظل تبدّد الوعد بالدعم الأميركي المطلق مستقبلا، فقدت «وحدات حماية الشعب» قدرتها على إلهام «حزب العمال الكردستاني» على المدى الطويل، ولا بدّ أن يتزايد حاليا حرص هذا الأخير على الدخول في مفاوضات مع أنقرة في مقابل اعتراف تركيا بمكاسب «وحدات حماية الشعب» في سورية، ولن يجلس «حزب العمال الكردستاني» على طاولة السلام مع أنقرة ما لم يثبت له ضعف «وحدات حماية الشعب» في سورية.

وتشير أيضا التغيرات السياسية الداخلية في أنقرة إلى تحوّل متزامن محتمل في الموقف التركي فيما يتعلّق بـ»وحدات حماية الشعب»، وفي خلال الانتخابات يزداد أردوغان نفوذا بفضل قاعدة قومية تركية ويقطف ثمار الصورة التي يظهر بها باعتباره «الرجل القوي» الذي يقف في وجه «حزب العمال الكردستاني» القومي الكردي والتي تحقق نتيجة جيدة في صناديق الاقتراع.

ومع انتهاء الصراع على رئاسة بلدية إسطنبول، لن يخوض أردوغان أي انتخابات جديدة قبل عام 2023 وهذا يعني أنه قد يكون أكثر استعدادا للتفاوض مع «حزب العمال الكردستاني» بما أن صورة «الرجل القوي» ما عادت على هذا القدر من الأهمية. إن أردوغان رجل عملي قبل أن يكون قوميا، فقد أطلق في النهاية محادثات السلام لأول مرة في تاريخ تركيا مع «حزب العمال الكردستاني» في عام 2012، أي قبل السنوات الست التي شهدت خلالها تركيا انتخابات واستفتاءات ومحاولة انقلاب، ومع طي صفحة الانتخابات الأخيرة، سيصبح في وضع يخوّله استئناف استراتيجية محادثات السلام مع «حزب العمال الكردستاني» التي اعتمدها سابقا– والتعامل مع «وحدات حماية الشعب»– لأن الأمريْن ضروريان لحل «المشكلة السورية» التي يواجهها أردوغان.

ومن الممكن أن تؤدي واشنطن دورا إضافيا في هذه المرحلة لإعادة العلاقة بين «حزب العمال الكردستاني» و«وحدات حماية الشعب» من جهة وتركيا من جهة أخرى إلى مسارها الطبيعي. ويشارك مسؤولون أميركيون في محادثات جارية مع نظرائهم لتحويل المنطقة الآمنة إلى حقيقة، وفي حال طُبّقَت هذه «المنطقة الآمنة» فستساعد على إبعاد «وحدات حماية الشعب» عن الحدود التركية.

وقد ينطوي بالتالي الخيار المرتقب في شمال شرق سورية على تدبير لحكم شرق سورية تحظى في إطاره تركيا «بمنطقة آمنة» وتبسط «وحدات حماية الشعب» سيطرتها خارج نطاق هذه «المنطقة الآمنة» وتحافظ الولايات المتحدة على وجود عسكري في هذه المناطق وتوفّر أنقرة الأموال والخدمات العامة الضرورية لتحقيق الاستقرار في سورية، ويظهر أردوغان بصورة ودية ومحافظة للسكان العرب المحليين.

ويترافق هذا النموذج مع عدد من المنافع تشمل الفرص الاقتصادية وفرصة لتحقيق الاستقرار في شرق سورية، وتركت الحملة الأميركية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» مناطق شاسعة من سورية كالرقة في دمار كامل، في حين يبحث قطاع الأعمال الديناميكي في تركيا الذي يعاني التدهور الاقتصادي الأخير عن أسواق محتملة جديدة للنمو.

وقد تتاح قريبا الفرصة أمام واشنطن لحل مشكلة الأكراد التي تواجهها مع أنقرة عندما تطوي تركيا صفحة السباق الانتخابي على رئاسة بلدية إسطنبول وتدخل في فترة لا انتخابات فيها على مدى السنوات الخمس المقبلة.

* سونر چاغاپتاي