بعد نجاحه في الحصول على فترة خامسة (الرابعة على التوالي) في منصبه رئيسا لوزراء إسرائيل، أصبح بنيامين نتنياهو على الطريق لتجاوز الرقم الذي حققه ديفيد بن غوريون، الأب المؤسس لدولة إسرائيل وزعيمها الأطول بقاء في الخدمة، غير أن بن غوريون، الذي سعى إلى الجمع بين الطابع اليهودي لإسرائيل والديمقراطية، ما كان ليتعرف على إسرائيل نتنياهو، وكما كتب ليزلي بولز هارتلي في افتتاحية روايته The Go-Between: "الماضي بلد أجنبي: فهم يديرون أمورهم على نحو مختلف هناك".

على الرغم من تعزيز الطابع اليهودي لإسرائيل، فقد جرى سحق ديمقراطيتها، وربما يكون في إعادة انتخاب نتنياهو النذير بوفاتها، فقد أشار نتنياهو بالفعل إلى اعتزامه ضم مساحات شاسعة من الضفة الغربية حيث توجد مستوطنات يهودية غير شرعية، ويريد بعض حلفائه الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، بوضع كامل المنطقة تحت سيطرة إسرائيل المطلقة.

Ad

في كل الأحوال، يتلاشى احتمال حل الدولتين خلف الأفق، وتؤكد الحقائق الديمغرافية أن إسرائيل لن تتمكن من الحفاظ على هويتها اليهودية إلا من خلال التضحية بديمقراطيتها، وكأنه يريد التشديد على هذه النقطة، قام حزب الليكود بقيادة نتنياهو في هذه الانتخابات بتركيب كاميرات عند مراكز الاقتراع في المجتمعات العربية، مما أدى إلى مزاعم بتخويف الناخبين، ومن السذاجة أن نعتقد أن حيل نتنياهو كانت مجرد مناورات انتخابية: فهناك العديد من الأسباب التي تحملنا على الاعتقاد بأنه لن يعدل من سلوكياته في ولايته المقبلة في المنصب.

الواقع أن سياسات نتنياهو المتزايدة التشدد تدل على ما يسميه علماء العلاقات الدولية "معضلة أمنية"، حيث تؤدي الجهود التي تبذلها الدولة لتعظيم أمنها غالبا إلى حالة متفاقمة من انعدام الأمن، فمن خلال ضم الضفة الغربية بالكامل أو جزء منها، تذكي إسرائيل دون داع نيران التوترات مع الفلسطينيين، وكذا مع جيرانها العرب، وتتسبب في نهاية المطاف في تقويض وضعها في المنطقة. ومع ذلك، تغلغل الخطاب التوسعي بعمق داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي يجد نفسه محاصرا في دوامة تتغذى على مجموعات إسرائيلية وفلسطينية معينة لها مصلحة في إدامة الصراع.

في ظل اتهامات متعددة بالفساد تحوم حوله، عمل نتنياهو على صياغة الانتخابات على هيئة استفتاء على إبرائه من خطاياه علنا، ورغم أنه ربما يوجه إليه الاتهام رسميا قريبا، فسيُسمَح له بالبقاء في منصبه، في الوقت ذاته، ربما يرضى حلفاؤه اليمينيون بتدابير تشريعية تمنحه الحصانة، شريطة أن يتابع إلى النهاية عمليات الضم. وهنا نرى كيف يتشابك بشكل وثيق خيطا الانحطاط الديمقراطي في إسرائيل: التوسع الإقليمي واضمحلال الضوابط المفروضة على السلطة التنفيذية. الاستنتاج واضح وضوح النهار: في غياب السلام مع الفلسطينيين، من المستحيل أن تكون هناك ديمقراطية في إسرائيل.

ولأن نتنياهو ليس لديه أي حافز في الداخل قد يدفعه إلى تغيير المسار، فقد يأمل المرء أن نرى ضغوطا دولية على حكومته، ولكن في عالم يهيمن عليه على نحو متزايد "رجال أقوياء"- رجال ضعفاء يتعين عليهم التعويض عن نقائصهم بأي ثمن- يستطيع نتنياهو أن يعتمد على تصريح دخول مجاني، ولهذا السبب خالف نتنياهو طريقته المعتادة لكي يداهن أنصار الأنظمة غير الليبرالية مثل رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، على الرغم من اعتناق أوربان لتوجهات معادية للسامية.

لكن لا يوجد حليف، أجنبي أو محلي، أكثر قيمة وأهمية لنتنياهو من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فبعد أن نقل بالفعل السفارة الأميركية إلى القدس، كرس ترامب كل جهوده لإعادة انتخاب نتنياهو، فاعترف أولا بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان، ثم أعلن الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، وهو اللقب الذي لم تطلقه الولايات المتحدة قط على القوات المسلحة لأي دولة أخرى. لقد ظهر نتنياهو في البيت الأبيض- كانت ربطة العنق التي ارتداها مماثلة لربطة عنق ترامب- لقبول الهدية الأولى رسميا، ولم يهدر أي وقت في نسب الفضل إلى نفسه في التحرك الأخير.

الواقع أن القرار الذي اتخذه ترامب بشأن هضبة الجولان من الممكن أن يشكل سابقة بالغة الخطورة، فقد استولت إسرائيل على هذه المنطقة من سورية في حرب الأيام الستة في عام 1967، ثم ضمتها رسميا في عام 1981، وفي الحالتين تحدت القرارات التي اتخذها مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإجماع، ورغم أن الولايات المتحدة منعت إدانة الأمم المتحدة لإسرائيل في 44 مناسبة، فإنها لم تستخدم حق النقض ضد هذه القرارات، لأن إضفاء الشرعية على الاستيلاء على الأراضي بالقوة كان المفترض أن يشكل خطا أحمر، ولكن لم تعد هذه هي الحال من منظور الولايات المتحدة في عهد ترامب، الذي لم يعط الضوء الأخضر لنتنياهو فقط، بل لكل "الرجال الأقوياء" الذين يفضلون سياسات القوة الغاشمة على القانون الدولي.

غني عن القول في هذه المرحلة أن أي خطة سلام يخرج بها إلينا غاريد كوشنر، صِهر ترامب، ستولد ميتة. لقد حققت إدارة ترامب تقدما ملحوظا في توحيد إسرائيل وبعض الدول العربية- وخصوصا السعودية والإمارات العربية المتحدة- ضد إيران، لكنها تجاهلت الفلسطينيين تماما. بطبيعة الحال، من منظور "الصقور" المناهضين لإيران والذين يقدمون المشورة لترمب الآن، تُعَد القضية الفلسطينية دون أدنى شك مجرد إزعاج بسيط، وقد أحالوا هذا النزاع إلى ذيل الأجندة، حيث يريدون لها أن تبقى.

لقد تسببت عقود من المرارة والصراع المتبادل في إحداث خسائر تكبدها الإسرائيليون والفلسطينيون بشكل خاص، على المستويين النفسي والاقتصادي. والآن، يجد حتى المجتمع الدولي نفسه منقسما ومرتبكا على نحو متزايد، ونظرا للافتقار المحبط إلى أي تقدم، يصبح من السهل الاستسلام للتشاؤم وعدم المبالاة، ووضع حل الدولتين في درج عميق وإغلاقه ثم التخلص من مفتاحه.

لقد بات من الممكن أن ينشأ شخص ما ولِد بالفعل في إسرائيل لكي يدرك فكرة الرئيس الأميركي هاري ترومان عن القيادة: "القدرة على حمل الرجال على فعل ما لا يريدون فعله ثم الإعجاب بهذا الفعل". عندما يأتي هذا الوقت، يتعين علينا جميعا أن نكون مستعدين لاغتنام الفرصة، وهذا يعني أن أولئك الذين ما زالوا يتوقون إلى رؤية دولة إسرائيلية ودولة فلسطينية تعيشان جنبا إلى جنب في سلام لابد أن يناضلوا للإبقاء على جذوة الأمل حية ومشتعلة الآن أكثر من أي وقت مضى.

* خافيير سولانا

* كان ممثل الاتحاد الأوروبي الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية، والأمين العام لمنظمة حلف شمال الأطلسي، ووزير خارجية إسبانيا سابقا. ويشغل حاليا منصب رئيس مركز إيساد للاقتصاد العالمي والدراسات الجيوسياسية، وهو زميل متميز لدى مؤسسة بروكنجز، وعضو "مجلس الأجندة العالمية بشأن أوروبا" التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي.

* «بروجيكت سنديكيت، 2019» بالاتفاق مع «الجريدة»