إذا عجز جهاز حكومي ما عن القيام بما كلف به بسبب الفساد ومشتقاته، مثل نقص الميزانية، أو بسبب بيروقراطية "كتابنا وكتابكم"، وغيرها من أسباب مكررة بدولة "مشيني وامشيك"، يتم تفويض الديوان الأميري للقيام بالمشروع، ليصبح هذا الأخير العصا السحرية التي تنجز المشروع في فترة قياسية وبحسب (ربما) أفضل المواصفات، لكن لا تسألوا عن التكلفة ومن هم الحواة الشطار الذين استغنوا بثروة هائلة هبطت عليهم بقدرة قادر من سماء المشروع والمشاريع.

تقرير الشال الأخير يتحدث بصراحة عن هذه الأجهزة الموازية، فهو يقرر أنه "بعيداً عن تضخم تكلفة الإدارة الحكومية أكثر من خمسة أضعاف ما بين عامي 2000 و2019، جبلت الحكومة على تأسيس أجهزة موازية لأجهزة قائمة، وغرض التأسيس هو الهروب من تكلفة إصلاح الأجهزة العاجزة... هذا من جانب، وشراء الولاءات بوظائف الأجهزة الجديدة من جانب آخر". ويضرب التقرير مثلاً بوزارة الأشغال وجهاز مواز اسمه "هيئة الطرق"... ووزارة الإسكان وهيئة الإسكان، ومجالس عليا للتعليم والمرور والتخصيص والاستثمار والبيئة والبترول والزراعة... ومعظمها في حالة مزرية.

Ad

وخير مثال قريب يذكره التقرير هو احتمال تولي الديوان الأميري إعادة بناء المدينة الترفيهية، "بعد تقرير أولي من شركة المشروعات السياحية بأنها قد تحتاج إلى عشر سنوات لإنجازها..."! الديوان الأميري، الذي بالمناسبة نفى أنه سيقوم بمشروع إعادة بناء المدينة الترفيهية، لكن التقرير يذكر بهذه المناسبة، بصورة مجملة، أن الديوان "ليس جهة اختصاص، وموقعه حساس، وقد ثارت حوله شبهات، ودوره الحقيقي رقابي لحث الحكومة على إصلاح أجهزتها لا تضخيمها أو تجاوز القيام بعملها".

يصل التقرير في النهاية إلى أنه إذا كان "المركز"- أي جهة الاختصاص- عاجزاً، فهذا سيتمدد حتماً إلى الأطراف الموازية، "... فرغم كل النوايا الطيبة، فالاحتمال المرجح في المستقبل، هو أن خراب المركز سيفشل صلاح الأطراف، لا العكس، أسوة بالعملات، الرديئة تطرد الجيدة". فعند التقرير... كيف يمكن تصور بناء كويت جديدة ومدينة حرير (وهي من الأطراف) إذا كانت دولة المركز عاجزة عن إدارة مستشفى أو مطار أو شركة طيران... إلخ؟! ليختم التقرير ملاحظاته بأن "مؤشر حل مجلس أمناء مدينة الحرير وإقالة رئيس جهازها التنفيذي، من دون تقديم تفسير محدد، قد يقرأ على أنه مؤشر على عدم جدوى الاستمرار في تأسيس الكيانات الموازية وضمن معايير تحكمها محاصصة وبيئة عمل طاردة".

يصعب دحض حجة الشال الراسخة، فما نسمعه ويكرره الكثيرون المعارضون لمدينة الحرير وتطوير الجزر، هو أنه إذا الإدارة المركزية (السلطة) عاجزة، مثلاً، عن حل مشكلة مواقف المرور، وهذه أبسط القضايا، وهي عاجزة عن توفير جهاز طبي لإدارة مستشفيات جديدة، وعاجزة، بالمجمل، عن حل بيروقراطية فاسدة وسرطان رشا ومحسوبيات وتفصيل مناقصات، وكل أنواع الفساد الرهيب المتمدد في معظم مؤسسات الدولة، فكيف يمكن لهذا الجهاز السلطوي المهترئ، وهو سلطة المركز (لتذكير القارئ المهتم)، أن يشرع في حلم مدينة الحرير والكويت الجديدة؟! الكلام هنا موجه بصورة مباشرة للشيخ ناصر صباح الأحمد، ومفاده أن عليك أن تصلح هنا، الداخل (المركز)، أوقفْ طوفان هذا الفساد الذي دمر كل أمل لمستقبل أطفالنا، وأحال حياتنا في البلد إلى كابوس لا ينتهي، أصلحْ كويت المركز يا شيخ ناصر، قبل أن نتحدث عن الكويت الجديدة في الجزر وطريق الحرير.

يستحيل نقض ذلك المنطق السابق للمعارضين، لكن لنتوقف هنا عند مسألة بسيطة، مثلاً ماذا لو كان هذا المركز غير قابل للإصلاح؟ فعطب الفساد والخراب وصل إلى أعمق جذور الدولة، والعطالة في إدارة الدولة تسري كالوباء من الكبير حتى الصغير، ويستحيل معرفة أين تبدأ وأين تنتهي، كأن الصراع مع غيلان سوء الإدارة الفاسدة يذكرنا بمحاولات دون كيخوته في محاربة طواحين الهواء... ما العمل عندها؟ أليس من الأجدى إذا عجزنا عن تفكيك تلك المؤسسات وهدمها من أسسها، أن نبحث عن حل آخر؟! كأن نشرع في حلم جديد، لا علاقة له بالمركز، هو ليس من الأطراف، ولكنه كويت جديدة، سواء كانت مدينة الحرير، أو أي اسم يمكن أن تختاروه... المهم أن تكون دولة مؤسسات غير فاسدة، وهي مركز جديد، ليس به جرثومة هذه الإدارة (المركز) المريضة.