● بداية هلّا حدثتنا عن البيئة التي نشأت فيها والمؤثرات في تكوينك الأدبي؟

- ولدت بإحدى قرى محافظة المنوفية في جنوب دلتا مصر، وحتى سن الخامسة عشرة لم أكن أعرف ما هي المكتبة، ولم أقتن كتاباً، ولم أرَ سوى الكتب الدراسية، إلا في مرات قليلة كنا نذهب فيها إلى مكتبة المدرسة، لكنني كتبت الشعر في الصف الأول الإعدادي، بطريقة الصدفة، إذ عرض أخي الأكبر عليّ ورقة فيها أبيات شعرية، حين سألته عن ماهيتها، قال إنها شعر، فأخبرته أنني يمكنني أن أكتب مثلها، وأخذت أجمع الكلمات ذات النهايات المتشابهة واضعها في سطور، أقسم كل منها إلى نصفين أو شطرين.

Ad

لكنني ذهبت بها أولاً لمدرسة اللغة العربية كي لا يسخر مني أخي، وكانت المفاجأة أنه طلب مني أن أقرأها على زملائي في الفصل، وما إن انتهيت حتى صفق لي فصفق الجميع، قائلاً إن ما سمعوه الآن هو الشعر.

وهكذا تم توريطي دون أن أعلم في عالم الكتابة، واستمررت في كتابة الشعر العمودي حتى نزلت إلى البحر الواسع في الجامعة، فتعرفت على الأنواع الشعرية الجديدة كالتفعيلة والنثر، وانحزت مع زملاء لي إلى النوع الأخير، وكتبت فيه مجمل دواويني وهي خمسة، كان آخرها عام 2010 بعنوان "في وداع المحبة"، لكنني كنت قد كتبت الرواية، وصدر أول عمل روائي لي بعنوان "صمت الكهنة"عام 2002، في نفس العام الذي صدر فيه ديواني الثالث "هانيبال"، وأخذت أزاوج ما بين الشعر والرواية، وتوقفت عام 2010 عن نشر الشعر، وانشغلت بكتابة ونشر الرواية فقط.

صلاة خاصة

● كيف استقبلت الاحتفاء النقدي بـ"صلاة خاصة"؟

- سعدت كثيراً بآراء الأصدقاء فيها، خصوصاً أنني لست كاتباً جماهيرياً، أي الذين يقرأونني هم من النخبة، من أهل الحرفة والكار، وصناعة الرواية ونقادها الكبار، ومن ثم فشهاداتهم مهمة، وهي أشبه بشهادة السقائين لسقاء جديد جاء لبيع المياه في حيهم.

● قدمت الأجواء القبطية فى الرواية... ألا يستطيع المبدع الفكاك من بيئته؟

- من الصعب أن يخرج الكاتب عن ثقافته وتكوينه ووعيه الأساسي، ويبذل مجهودات كي يبدو متحرراً من ذلك، لكنه في كل الأحوال سيحاول، والمزيج الذي ينتج هو النص، وكلما كانت المسافة قريبة بين الوعي القديم والوعي الجديد كان العمل أكثر إتقاناً، وأعتقد أن هذا ما حدث معي في كثير من الروايات، سواء "أساطير رجل الثلاثاء"، أو "الموريسكي الأخير" أو "صلاة خاصة"، ففي الأولى كان النقاد يعتقدون أنني كنت ضمن التنظيمات الإسلامية، وفي الثانية تصوروا أنني موريسكي، وفي الثالثة اعتقدوا أنني قبطي، والمفاجأة أنني لست أياً من كل الصيغ التي طرحتها، لكنني أيضاً لست بعيداً عن أي منها، فثمة طروحات فكرية وفلسفية في كل نص، تخرج بنا من الخاص إلى الإنساني العام وتجعلنا نتماهى مع الفكرة ككل.

● دشن ديوانك الأول "يرفرف بجانبها وحده" وجودك كشاعر هل سبقه محاولات وهل كان الانتقال إلى الرواية سهلاً ؟

- كانت هناك كتابات عمودية، وهي مرحلة طويلة تعلمت فيها الشعر، لكنني لم أشأ تضمينها في ديوان، وفضلت أن أضع مختارات لي من بين ما كتبت في قصيدة النثر حينئذ، ووضعت لها عنوان "يرفرف بجانبها وحده"، وهو عنوان إحدى القصائد، أما عن كتابة الرواية فقد حاولت وأنا في فترة تأدية الخدمة العسكرية أن أكتب رواية عن تلك الأيام، خصوصاً أن شخوصها جميعاً كانوا من زملائي بالكتيبة، وكل منهم من اتجاه مختلف، فهناك المتصوف، وهناك اليساري، وهناك الرومانسي، والقبطي، وغيرهم، أعتقد أنني أنجزت أكثر من نصفها في كشكول كبير، لكنني توقفت لأسباب أعتقد أنها الكسل وعدم القدرة على مداومة الكتابة، فضلاً عن أنني لم أعرف كيف سأنشرهاز

لكن في عام 2001، وكنت أعمل بإدارة النشر بقصور الثقافة، وحدثت أزمة الروايات الثلاث، ( إبان فترة الوزير فاروق حسنى إذ تمت مصادرتها)، وجلست أتحدث مع بعض الزملاء، وكانت رواية أحدهم من بين الروايات الثلاث، وكنت أراها عملاً ضعيفاً، بينما اتهمني صاحبها بأنني لا أستطيع كتابة رواية، فقلت له أنني يمكنني أن أكتب له رواية أفضل من روايته في ستة أشهر، وبالفعل أخذت أفكر في عوالم صمت الكهنة، وهي رواية عن التاريخ الفرعوني، وتربط الواقع الراهن بالتاريخ القديم، باحثة عن التفسير الثقافي لكثير من الطبائع المصرية والخصال والسمات الخاصة بالشخصية المصرية.

● بعد مرور وقت على أعمال المبدع هل تختلف نظرته إليها أم تظل ثابتة وهل يمكن إعادة كتابتها؟

- بالطبع تختلف لدى الكاتب نظرته ووعيه ورؤيته وثقافته واهتماماته وكل شيء، لكن لا يمكنه إعادة كتابة أعماله السابقة، لا لشيء سوى أنها أصبحت جزءاً من تاريخه، وإذا دققنا النظر فسوف نعرف أن كل كاتب لديه طرحه الفني الخاص به، وكأن كل كتاب جديد هو تنويعة على وتر الكتاب الأول، أو تجويد فيه، ومن ثم فهو يكتب أعماله السابقة بصيغ أخرى وفقاً لمراحل تطوره الذهني والثقافي.

الدور المجتمعي

● من وجهة نظرك، ألم يأت الوقت الذي يقدم فيه الأدباء حلولاً لأزمات المجتمع من خلال أعمالهم؟

- الكاتب لا يقدم حلولاً، هو فقط يشرح الأزمة ويضعنا أمام أنفسنا، وعلينا أن نفاضل بين الطرق، مهمة الكاتب أن يتعامل مع المجتمع الذي يعيش فيه لا بوصفه فليسوفاً، ولا مفكراً، بل محلل ثقافي، أي قارئ جيد للظواهر والتاريخ وحاكمية الجغرافيا وطبائع الشعوب، الكاتب يلمح ولا يملي، يضع قارئه أمام نفسه وتاريخه ومكانه وشرطياته القديمة والجديدة، والقارئ هو الذي سيقول أو يفعل.

● كيف ترى علاقتك وأبناء جيلك بالقراء، خصوصاً أن نقاداً يرون أنكم نجحتم في الوصول إلى الجماهير؟

- أعتقد بالفعل أن جيلي محظوظ، فأدوات التواصل الاجتماعي ساعدت على نشر فكرته دون التحرك من مكانه، وهذا ساعد على زيادة المبيعات وظهور قوائم البيست سيلر وغيره، لكن هذا أيضاً أتى بنتائج عكسية لأن معامل النجاح ليس في تغيير الفكر والتكنيكات والرؤى ولكن في إرضاء أذواق الجماهير، واسترضائهم بوصفات لا علاقة لها بالفن، فأصبحت أكثر الكتابات نوعاً من التسلية لا أكثر، أي انها في مجملها تساعد على موت العقل لا إحيائه.

مشهد ثري

يرى الأديب صبحي موسى، أن المشهد الإبداعي العربي ثري، لتنوع البلدان العربية، وانفتاح العالم على بعضه، وأن العرب يشاركون العالم في إنتاج الإبداع أكثر مما يشاركونه في أي شيء آخر.

وبالنسبة للمشهد المصري يرى فيه العديد من الأعمال المهمة، لكن ليست لدينا مساحة تكفي للجميع، لذا فالصراع قوي، والإزاحات دائمة، والدماء الجديدة متدفقة طيلة الوقت، حتى ان النقاد يعجزون عن الملاحقة.

يذكر أن صبحي موسى له خمسة أعمال شعرية وسبعة أعمال روائية من بينها "أساطير رجل الثلاثاء" التي فاز عنها بجائزة أفضل عمل روائي من معرض القاهرة الدولي عام 2014، و"الموريسكي الأخير" التي وصلت إلى القائمة الطويلة في جائزة الشيخ زايد عام 2015، و"نقطة نظام" التي حازت "جائزة نجيب محفوظ " من المجلس الأعلى للثقافة العام الماضي.