لن تشكّل رئاسة زيلينسكي حالة شاذة سياسياً فحسب بل تاريخياً أيضاً في أوكرانيا بعد الحقبة السوفياتية، فلا يُعتبر زيلينسكي مجرد دخيل على عالم السياسة العالي المستوى في كييف، بل يمثّل أيضاً أول دخيل من هذا النوع يحقق تقدماً مماثلاً.

في عام 2014، أصبح بطل الملاكمة السابق فيتالي كليتشكو عمدة كييف. صحيح أن دخلاء آخرين وصلوا قبله إلى برلمان أوكرانيا ومراكز وزارية عالية، إلا أنه ما من مبتدئ سياسي بالكامل نجح في الاقتراب من تبوء أعلى منصب عام في أوكرانيا مثل زيلينسكي.

Ad

يعود السبب الواضح لتقدّم زيلينسكي إلى خيبة أمل الأوكرانيين العميقة في الطبقة الحاكمة، فبعد نحو ثلاثين سنة من اختيار رجال موالين نسبياً لروسيا أو مؤيدين رسمياً للغرب من النخبة الاقتصادية والسياسية المفترضة في البلد ليشغلوا منصب الرئيس، تبقى أوكرانيا إحدى الأمم الأكثر فقراً في أوروبا.

لا شك أن الكثير من مشاكل البلد الاقتصادية الأخيرة يعود إلى عوامل خارجية: حرب روسيا الهجينة التي لا تهمد ضد أوكرانيا، وضم موسكو القرم، واحتلال الكرملين المبطن لجزء كبير من حوض دونيتس.

ولكن من وجهة نظر الشعب الأوكراني على الأقل، يرجع عموماً التعافي البطيء من صدمة عام 2014 والكثير من مشاكل البلد المتواصلة إلى إخفاقات بوروشينكو وأعوانه المتكررة كمصلحين ورجال دولة (لا تتبوأ نساء كثيرات مناصب مهمة)، مما أدى إلى تدخل الكرملين في شؤون البلد.

صحيح أن أعمال روسيا التخريبية المتواصلة واحتلالها أوكرانيا يؤديان إلى تداعيات مدمرة كثيرة، ولكن ثمة أسباب مهمة عدة لخيبة أمل الأوكرانيين العميقة في أوساطهم الحاكمة القديمة.

على هذه الخلفية المحددة، لا يشكّل اختيار أوكرانيا أخيراً ممثلاً كوميدياً لا روابط له (أو على الأقل لا روابط ظاهرة له) بالطبقة السياسية القديمة ليكون رأس دولة مفاجأة خارجة عن المألوف.

علاوة على ذلك، لا يُعتبر هذا الخيار تعبيراً عن خلل اجتماعي-سياسي أعمق كما حدث مع بروز بعض الشخصيات المريبة مثل دونالد ترامب في الولايات المتحدة وبيبي غريلو في إيطاليا.

قد يكون الشعور الشخصي بالتهميش من "النظام القديم" في أوكرانيا" ومن الغرب متشابهين جزئياً، لكن حالة أوكرانيا الموضوعية كدولة تخوض حرباً طويلة وتعاني الفقر المدقع، فضلاً عن رزوحها تحت عبء كبير جداً من الفساد المستشري وعدم الاستقرار الشخصي، مختلفة بالتأكيد. نتيجة لذلك، لا تُعتبر مشاكل أوكرانيا الحالية مطابقة بالكامل للمشاكل والتحديات المختلفة التي قد يصادفها المواطنون العاديون في الغرب خلال حياتهم.

يواجه المواطنون في أوكرانيا مهمة أكثر صعوبة مما قد نراه في أي بلد غربي: مهمة إدارة شؤونهم المهنية والشخصية مادياً، وجسدياً، ونفسياً.

وهكذا يجعل واقع الحياة طريقة عمل هذا المجتمع مختلفة بالكامل عما نلاحظه في معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، بما فيها الولايات المتحدة وإيطاليا.

نتيجة لذلك، يكون انتخاب أوكرانيا زيلينسكي استمراراً في الظاهر فحسب لموجة التحوّل الأشمل في السياسات الانتخابية والشؤون العامة التي تطول الكثير من دول أوروبا.

يستند الإطار العام للتحوّل نحو زيلينسكي والتخلي عن الأنماط السياسية الأوكرانية السابقة إلى عوامل أخرى، وإن لم تكن مختلفة بطبيعتها، غير الفضول المشابه في الظاهر الذي نراه في الديمقراطيات الغربية. قد يذهب البعض إلى حد اعتبار إعادة انتخاب بوروشينكو (نظراً إلى تجارب أوكرانيا السابقة معه ومع الرؤساء السابقين المشابهين له إلى حد ما) تعبيراً عن جمود اجتماعي رجعي.

لذلك، يمنحنا هذا الوجه "المنطقي" نوعاً ما من اختيار شخصية بعيدة الاحتمال مثل زيلينسكي لمنصب الرئيس سبباً للتفاؤل.

يعني هذا أن نقطة انطلاق حكمه كدخيل تختلف عن الدوافع اللاعقلانية التي تقف وراء بروز دونالد ترامب المفاجئ المشابه في الظاهر فحسب.

تبدو الطبقة الساسية الأميركية (من ناحية تنظيمها الذاتي، ومعايير عملها، واحترافها، واحترامها الواضح) أعلى جودة من الطبقة الأوكرانية.

نظراً إلى هذا الاختلاف الأساسي، يبدو انتخاب دخيل مثل ترامب خطوة أكثر تهوراً من اختيار دخيل مثل زيلينسكي على ضوء أداء سياسيي الأحزاب الأوكرانية خلال السنوات الثلاثين الماضية.

يعتبر عدد كبير من المثقفين الوطنيين الأوكرانيين تصويت إخوانهم "للمهرج" زيلينسكي عملاً غبياً، ومشيناً، وحتى خطيراً، ولكن بالنظر إلى سجل النخبة السياسية الأوكرانية التاريخي والبدائل المتوافرة في عام 2019، لا يبدو قرار التصويت لمرشحين يفتقرون إلى الخبرة السياسية بقدر زيلينسكي لاعقلانياً بالكامل.

انتخبت أوكرانيا في خمس مناسبات حتى اليوم سياسيين مثل الرؤساء الذين بنوا مسيرتهم داخل "النظام القديم"، ولكن تبيّن أن كل هذه الخيارات خاطئة جداً بطريقة أو بأخرى، لذلك آن الأوان في عام 2019 لاختبار حل آخر، إذا جاز التعبير.

لكن هذا الإطار العام لا يقلل من أهمية المخاطر الكبيرة المرتبطة بافتقار زيلينسكي الواضح للخبرات الإدارية الملائمة وفريق المساعدين المناسب، فضلاً عن المستشارين.

من المؤكد أن أوكرانيا لا تملك في أزمنة الحرب رخاء خوض تجارب سياسية أو التلهي الحكومي في أعلى مستويات الحكم، لكنها تشكّل رسمياً جمهورية برلمانية-رئاسية تتركز فيها صلاحيات واسعة بين يديّ الأكثرية البرلمانية، وجهاز الحكومة، ومكتب رئيس الوزراء.

تمكن بوروشينكو بحنكته كسياسي مخضرم من إلغاء جزئياً تأثيرات هذا الفصل الدستوري الرسمي بين السلطات، ولكن خلال موسم انتخابات 2019 وما بعده ستميل على الأرجح كفة ميزان القوى بين البرلمان والحكومة الأوكرانيين من جهة والإدارة الرئاسية من جهة أخرى باتجاه الفريق الأول. نتيجة لذلك، يجب أن يصبح النظام السياسي الأوكراني ذا طابع برلماني أكثر بروزاً بطبيعته.

وهكذا تقتصر على الأرجح مهام الرئيس الأوكراني على مجالات المسؤولية التي حددها له الدستور، فسيتمتع بالسلطة الرسمية ليحدد سياسات أوكرانيا الخارجية، والأمنية، والقضائية، والدفاعية.

* أندرياس أوملاند

* «ذي غلوبليست»