"يا مريم"... الرواية التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية 2013 للكاتب سنان أنطوان، وهو شاعر وروائي ومترجم ولد في بغداد، له روايتان: "إعجام" و"وحدها شجرة الرمان"، وديوان شعر بعنوان "ليل واحد في كل المدن".

الرواية لم تأت بالجديد بالنسبة إلي، أحداثها وما يزيد عنها بكثير عايشته وسمعته من أصدقائي العراقيين المسيحيين، وعلى رأسهم المخرج المسرحي المبدع د. عوني كرومي وأسرته الذين عانوا مثل بقية مسيحيي العراق، لذا كنت أقرأ الرواية وكأني أعرف هذه التفاصيل، التي سبق أن مرت على أصدقائي، وعايشت أحزانهم وتركهم لبيوتهم وتشردهم في البلدان المجاورة لهم، حتى استقروا في المهجر. معاناة العراقيين ليست وليدة الحاضر فقط، ولكنها سلسلة آتية من الماضي لتطوق المستقبل، والسخرية بهذا المقتطف تكشف زمن "العراق الجميل" أو زمان الخير، الذي يبين أنه لا مراحل كانت آمنة وسعيدة في العراق: "فمنهم من يعتبر أن قدوم البعثيين في 1963، والوحشية التي قُتل بها عبدالكريم قاسم كانت نهاية الزمن الجميل. ومنهم من يعتبر صعود صدام في 1979 بداية النهاية. وهناك من يمد بساط الزمن السعيد إلى 1991، لأن الحصار هو بداية نهاية العراق. وهناك آخرون ينتهي عندهم الزمن في 2003. والغالبية منهم يحنون إلى زمن الملكية وينشرون صور العائلة المالكة، معتبرين الانقلاب العسكري والوحشية التي قتلت بها العائلة المالكة بداية الشر والسقوط إلى الهاوية. وأتساءل في سري كلما قرأت تحسراتهم على زمن الملكية: ألم يذبح الآشوريون بذاك العهد الملكي السعيد؟ ألم يتم تهجير اليهود العراقيين وطردهم من بيوتهم وبلدهم الذي عاشوا فيه بين ليلة وضحاها؟ ألم يكن الفقر مستشريا؟ والعهود التي تلته ألم تكن مليئة بالمذابح والمقابر الجماعية للأكراد والشيعة؟

Ad

تختلط البدايات والنهايات. كل يبكي على عراقه السعيد"

الرواية السياسية الاجتماعية تكشف أوضاع المسيحيين من بعد الغزو الصدامي للكويت وبداية حرب الخليج وما تلاها من كوارث الحروب الطائفية والنعرات العنصرية وتصاعد الحالات الإرهابية التوحشية ضدهم، فمن خلال يوسف، الباقي الوحيد من أسرته التي هاجر بعضها إلى أوروبا، وبعضها الآخر إلى كندا، وبقيت معه قريبة له طالبة جامعية أسكنها مع زوجها الطابق الثاني من المنزل لتؤنس وحدته، وهو يستعرض صور العائلة المحبوسة في البراويز التي كانت سعيدة بحضن الأب والأعمام والأولاد والبنات، الذين تشتتوا وتفرقوا بفعل الإرهاب والعنصرية البغيضة التي صعدها الإرهابيون ونماها أهل العمائم وأشعلوا فتن الكراهية والضغينة ضدهم.

عندما تقرأ الرواية العراقية تشعر بمدى تشابه الحياة والعادات واللهجة ما بين الكويت والعراق، ويشاء القدر أن يوحد ما بين كوارث وأوجاع مخلفات الحرب ما بين البلدين، فكأننا تقاسمنا المصيبة معا، وإن كان نصيب العراق منها أكبر بكثير منا.

الرواية مكتوبة حواراتها باللهجة العراقية أحيانا، أو باللهجة السريانية، ولا أدري كيف وصلت إلى الشعوب العربية، وحتى بعض الدول الخليجية عدا الكويت، التي تفهم اللهجة العراقية تمام الفهم، وقبل الحرب كانت من أكثر اللهجات المحببة إلى الكويتيين، لا أدري كيف وصلت الحوارات وهي مهمة جدا إلى بقية الشعوب العربية، خاصة مصر والمغرب العربي. وهذا مقتطف من شكل الحوارات: "يابه يكَلك آني عايش بالماضي/ منو يكَول هيجي؟/ هاي مها، كَرايبي اللي كَاعدة عندي بالطابق الفوكَ هي وزوجها/ إي مو جذب هالحجي. تره إحنا أنتيكات. هذا اللوتي أوس هذاك اليوم يكَوللي: جدو إنت شكَد قديم. تصور!".

ولعل هذه الجملة تبين وضع العراق الحالي بسخرية رهيبة:

"- تدري إشكَال أبو فرات على موضوع الطائفية؟

- لا، شكَال؟

- أي طرطرا تطرطري، تقدمي تأخري، تشيعي تسنني، تهودي تنصري، تكردي تعربي.

- إي هاي كَالها من زمان؟ هل هذا معناه الطائفية صدكَك موجودة من زمان؟

- لا يابه، دائما جان أكو سنة وشيعة ومسيح وإسلام، بس ما جانت كَتل وسحل وميليشيات ومفخخات".

الرواية مليئة بالشجن والحزن، الذي طال المسيحيين والعراق برمته وبكل أطيافه، حزن فتك بشعب لم يفق من العنف الدموي من زمن الحسين إلى زمن صدام حسين وما تلاه بعد ذلك من نكائب وخرائب: "تعبت لأن كل شيء وكل شخص يذكّرني بمناسبة وبدونها، بأني أقلية. حتى الصليب الذهبي الذي أهدته لي جدتي بمناسبة طقوس المناولة الأولى لم أعد أضعه حول عنقي".