صنّفت إدارة ترامب، في خطوة غير مسبوقة، حرس الثورة الإسلامية الإيراني منظمة إرهابية أجنبية، ولم يأتِ هذا القرار من دون مبرر: فقد أنشأ حرس الثورة قوات تضم آلاف المقاتلين خارج حدود إيران، فدرّبها، وموّلها، وسلّحها، ونشرها. ولا تقتصر هذه القوات على حركات تمرد محلية بل تشمل أيضاً مجموعات إرهابية مثل "حزب الله". وتُعتبر القوات المدعومة من حرس الثورة مسؤولة عن مقتل مئات الجنود الأميركيين.

هدف قرار إدارة ترامب إلى خدمة مصالح الولايات المتحدة بعزل إيران، ولكن يبدو أنه لم يأخذ في الاعتبار الطرق الكثيرة التي يستطيع هذا النظام الرد من خلالها.

Ad

تحمل التصريحات الرسمية الصادرة عن الحكومة الإيرانية إشارات إلى أن طهران تستعد لتفسير هذا التصنيف اعتداء وللرد وفق ذلك، فبعد ساعات قليلة على الإعلان الأميركي، ردت طهران بخطوة مشابهة مصنفةً القيادة المركزية الأميركية (قيادة الجيش المسؤولة عن المخاطر في الشرق الأوسط، جنوب آسيا، والقرن الإفريقي) منظمة إرهابية، وأعلن قائد حرس الثورة محمد علي جعفري أن الجيش الأميركي في المنطقة "لن ينعم بيوم سلام". إذاً، التداعيات واضحة: سيبدأ الحرس الثوري باستهداف العاملين في الجيش الأميركي.

إذا كانت إيران تسعى اليوم إلى الرد بتصعيد التوتر ضد الجيش الأميركي، فأمامها خيارات عدة. قد تركّز على المناطق التي يملك فيها حرس الثورة وجوداً مباشراً أو على الأماكن التي يتمتع فيها عملاء إيران من غير الدول بنفوذ كبير. صحيح أن الولايات المتحدة خفضت مستوى جنودها في سورية، إلا أن إيران ما زالت تحتفظ بوجود قوي هناك وتحظى بدعم من وحدات حزب الله اللبناني في هذا البلد، فضلاً عن أنها تدير شبكة واسعة من المقاتلين الأجانب الشيعة من الممكن استخدمها لضرب الجنود الأميركيين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. على نحو مماثل، في العراق حيث لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بنحو 5200 جندي، تتمتع طهران بولاء عدد من الميليشيات الشيعية البارزة، منها كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، ومنظمة بدر.

بالإضافة إلى ذلك، قد يبدأ حرس الثورة باستهداف المدنيين الأميركيين في الخارج إما بطريقة مباشرة أو بالعمل من خلال مجموعات بالوكالة. سبق أن أشار أفراد وقنوات لهم علاقة بحرس الثورة إلى المتعاقدين مع الولايات المتحدة وأعضاء المجتمع الاستخباراتي الأميركي العاملين في المنطقة كأهداف محتملة. ويُعتبر حزب الله المرشح الرئيس لارتكاب اعتداءات مماثلة، وقد تشمل هذه الاعتداءات الخطف أو هجمات مباشرة على الموظفين الأميركيين أو البنية التحتية الأميركية. ذكّر حسن نصر الله الولايات المتحدة بقدرات حزبه، وأكّد أنه لن يقف على الهامش مع ازدياد أعمال الولايات المتحدة في المنطقة عدائية، ويملك حزب الله القدرة على تنفيذ تهديداته بما أنه يحظى ببنية تحتية عالمية واسعة، وقد نفذت هجمات في الأرجنتين وبلغاريا، في حين أُحبطت اعتداءات له في أماكن عدة مثل قبرص، وكينيا، والهند، وتايلند، وجورجيا.

علاوة على ذلك، قد تنظّم إيران اعتداء مستخدمة وحدات الحرب عبر الإنترنت في حرس الثورة، التي سبق أن استهدفت أميركيين وشركات مالية وبنى تحتية أميركية. بخلاف الأمم الأخرى التي تملك قدرات تقنية متطورة، لا تركّز نشاطات إيران عبر الإنترنت على التجسس بل على العمليات الهجومية داخل شبكات أعدائها. على سبيل المثال، وجّهت الولايات المتحدة في شهر مارس عام 2016 تهماً إلى عدد من المواطنين الإيرانيين الذين زعمت أنهم يعملون قراصنة لدى حرس الثورة والحكومة الإيرانية. اتُّهم هؤلاء الأشخاص بشن هجوم على بورصة نيويورك، ناسداك، وعدد من المصارف والمؤسسات المالية، فضلاً عن سد بومان أفنيو في راي بروك بنيويورك، حيث تمكن القراصنة بطريقة غير مشروعة من الولوج من بعيد بجهاز كمبيوتر يتحكّم في السد.

بالإضافة إلى الاعتداءات العسكرية، قد تواجه الولايات المتحدة تداعيات دبلوماسية نتيجة تصنيف إيران القيادة المركزية الأميركية مجموعة إرهابية، فما كان يُعتبر سابقاً سوء تفاهم بسيطاً بين خصمين قد يتحول اليوم إلى شرارة تعزز التصادم. هددت إيران بالعمل ضد السفن الأميركية في الخليج العربي، الذي يتولى حرس الثورة عموماً مهمة حراسة سواحله الإيرانية، وإذا نشأ وضع شبيه بما شهدناه عام 2016 حين أمسك حرس الثورة ببحارة أميركيين في الخليج، فلن تملك واشنطن قنوات التواصل الرسمية وغير الرسمية التي أتاحت لها حينذاك تحرير البحارة. بدلاً من ذلك، قد يحتجز الإيرانيون الأميركيين رهائن لفترات زمنية مطوّلة أو حتى يؤذوهم، على نحو مماثل، صحيح أن الجيش الإيراني النظامي لا حرس الثورة هو المسؤول عموماً عن نشاطات البلد في مضيق باب المندب، وخليج عدن، وخليج عمان ويركّز خصوصاً على محاربة القرصنة، إلا أنه قد يستغل موقعه هذا ليستفز الولايات المتحدة أكثر.

حتى لو لم تثر إيران وضعاً مماثلاً، فلا مفر على الأرجح من الاحتكاك بين الجيشين الأميركي والإيراني، ومع المخاطر المتبادلة، مثل خسارة داعش أراضيه في المنطقة، تدخل الولايات المتحدة وإيران حقبة جديدة من التنافس على مسارح استراتيجية أساسية، منها أفغانستان والعراق. تعمل إيران على تعزيز نفوذها في سورية والعراق باستمرار، وتعني شبكتها المتنامية من المجموعات التابعة لها في لبنان، والبحرين، واليمن، أن إدارة ترامب لا تستطيع بكل بساطة تمني زوال الإيرانيين. على العكس، يجب أن تتوصل واشنطن إلى طريقة للاتفاق مع الإيرانيين بشأن المسائل الجيو-سياسية الدقيقة، مثل إعادة إعمار سورية، واستمرار الحملة ضد بواقي داعش، والحؤول دون غرق أفغانستان في الفوضى، وعقد مصالحة سياسية بين السنة والشيعة في العراق.

لكن الولايات المتحدة عمدت بدلاً من ذلك إلى تعزيز احتمال التصاعد المتبادل مع طهران، تصاعد يتطلب موارد دبلوماسية كبيرة لتفادي تحوله إلى صراع إقليمي أوسع يشمل إسرائيل ودول الخليج العربي وإغراق المنطقة في الفوضى.

* كولين كلارك وأريان تاباتاباي

* «فورين بوليسي»