متى صارت أوروبا تخشى الصين إلى هذا الحد؟

نشرت المفوضية الأوروبية الشهر الماضي تطلعاتها الاستراتيجية الجديدة بشأن الصين التي طال انتظارها، حيث تقدّم هذه الوثيقة أحكاماً شاملة عن استراتيجية التنمية الصينية، وُضعت هذه الوثيقة باللغة التكنوقراطية المعتادة التي تشكّل طبيعة ثانية أو بالأحرى أولى للمسؤولين في بروكسل، إلا أنها تعكس أيضاً مقاربة سياسية أكثر بروزاً، وتصف هذه الوثيقة الصين بـ"المنافس الكامل" الذي نمت قوته الاقتصادية وتأثيره السياسي بسرعة ونطاق لا مثيل لهما.

Ad

يمثل هذا تبدلاً كبيراً في موقف أوروبا من بكين، فمنذ زمن ليس ببعيد، لم يأبه الأوروبيون بنهوض الصين، ولكن يبدو أن العالم تغيّر في طرفة عين. إذاً، ما سبب تبدّل الرياح هذا؟ وكيف وصلنا إلى هنا؟

أولاً، هنالك قصة الألواح الشمسية، ففي الماضي، تمتع المنتجون الأوروبيون بوضوح بأفضلية المحرك الأول في هذا المجال، إلا أن هذه الصناعة اختفت بالكامل من أوروبا. لنتأمل لائحة مصنعي الألواح الشمسية العشرة الأوائل في العالم، ففي عام 2001، كان خمسة منهم أوروبيين، أما في عام 2018 فصار ثمانية منهم صينيين. أما الاثنان المتبقيان فكندي وكوري جنوبي.

أضف إلى ذلك شركة "كيوكا"، فخر قطاع الآليين الألماني، التي استولى عليها مصنّع الأدوات المنزلية الصيني "ميديا" عام 2016، وما حدث بعد ذلك صار اليوم جزءاً من نمط جديد مألوف: عندما تستولي شركة صينية على أخرى أوروبية، تتخلى هذه الأخيرة عن مزوديها الأوروبيين لتستبدلهم بسلاسل قيمة صينية.

أما التهديد الأخير، فجاء من قطاع الطيران التجاري الصيني، إذ يقدّر مصنّع الطائرات الأميركي بوينغ أن الصين ستحتاج خلال العقدين التاليين إلى 7690 طائرة جديدة تبلغ قيمتها 1.2 تريليون دولار تقريباً، ولا شك أن هذه فرصة كبيرة للقطاع المحلي الصيني، لذلك سوّقت بكين لمعدات الطيران والفضاء والجو من ضمن القطاعات الاستراتيجية العشرة التي تعمل على تعزيزها من خلال مبادرة "صنع في الصين 2025".

يتوقّع الخبراء في هذا القطاع أن تحتاج الصين إلى 10 سنوات لتنجح في منافسة بوينغ وإيرباص، لكن هذا لا يعني أن الصين متخلفة كثيراً عن منافسيها الغربيين. تمر عشر سنوات بسرعة، وهكذا، بحلول عام 2030، تكون آخر الحصون قد سقطت وتصبح أوروبا معرضة لخطر وشيك، خطر أن يبتلعها بلد تفوق مساحته مساحة الاتحاد الأوروبي بثلاث أو أربع مرات.

نلاحظ حالة افتراس هنا، لكن السؤال الذي ينشأ: هل الصين السبب أم أن العالم يسير على هذا النحو ولطالما فعل؟

تناولتُ أخيراً الغداء مع دبلوماسي بريطاني في بكين، وحين رحت أصف الشكل الذي قد يتخذه نظام عالمي تقوده الصين، اتكأ على ظهر كرسيه وقال بعدما أن ارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة: "تبدو لي أشبه بالإمبراطورية البريطانية".

لكنها تشبه أيضاً الإمبراطورية الأميركية، صحيح أن الإمبراطورية البريطانية زالت، إلا أن قريبتها الأميركية ما زالت حية وفاعلة، وكما تُظهر حروب التجارة الأخيرة، ما إن تشعر الولايات المتحدة أن الصين تهددها، حتى ترغم بكين على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. صحيح أن بوينغ قد تتأثر بالمنافسة الصينية بقدر ايرباص الأوروبية، غير أن هذه الشركة الأميركية تستطيع الاعتماد على الولايات المتحدة لتهب إلى نجدتها في وقت الشدة.

في المقابل، لا يستطيع الاتحاد الأوروبي الاضطلاع بمهمة مماثلة، يعاني هذا الاتحاد انشقاقات كثيرة، فحتى أبسط عملية تصويت في مجلس الاتحاد الأوروبي تعجز عن تحقيق الإجماع المطلوب إذا اعتُبر القرار معاكساً لمصالح الصين في أوروبا، ولن تتردد دول مثل دولتي هنغاريا واليونان (لطالما سعت الصين إلى التقرب منهما وستبذلان بالتأكيد قصارى جهدهما لإبقاء بكين سعيدة) في رفضه.

لا شك أن الأوضاع كانت ستختلف لو أن الاتحاد الأوروبي كان اتحاداً سياسياً بحق. ما كنا لنشهد أي رفض هنغاري أو يوناني، ففي حالة مماثلة تخسر العواصم دورها في السياسة الخارجية وتتولى قوة مشتركة ديمقراطية بالكامل مهمة إدارة العلاقات الخارجية. كان الأوروبيون يسعون إلى تحقيق اتحاد سياسي مماثل طوال السنوات السبعين الماضية، إلا أن هذا الاتحاد ظل وعداً لم يتحقق، ربما يعود هذا إلى افتقار الاتحاد الأوروبي إلى المكون الأساسي الأكثر أهمية في الوحدة السياسية: الخوف من خطر خارجي. أدت الولايات المتحدة دوراً مهماً قلما يحظى بالاهتمام في تبديد هذه النظرة إلى العدو المشترك، فبمنحها ضمانة أمنية غير مشروطة لحلفائها، حرصت على ألا يتحول الاتحاد السوفياتي إلى خطر وجودي يهدد أوروبا، بالإضافة إلى ذلك، يبدو مجتمع الولايات المتحدة وسياساتها قريبين جداً مما نراه في أوروبا (في قيمها وأهدافها)، مما يحول دون شعور حلفاء واشنطن عبر الأطلسي بأن حجم القوة الأميركية يشكّل حقاً خطراً يهددهم.

بدت هذه الحالة الجيو-سياسية غير الواضحة المعالم مريحة كفاية، فقد أتاحت لأوروبا أن تأخذ استراحة طويلة من التاريخ، وحالت دون تحوّل الاتحاد السياسي إلى ضرورة.

نتيجة لذلك، يُعتبر بروز الصين بالغ الأهمية، فقد مهّد الدرب أمام دراما تاريخية عظيمة، دراما ستشمل فصولاً في لشبونة، وشنغهاي، وكل ما بينهما، لكن أوروبا لن تتمكن من الاعتماد هذه المرة على الولايات المتحدة لتتدخل فجأة وتحل الوضع المتأزم.

مع أن الصين بدأت تبدو، بتفاعلها الاقتصادي والتكنولوجي الذي لا نظير له، أشد خطورة بكثير من الاتحاد السوفياتي بالنسبة إلى الأوروبيين، فإننا نلاحظ أن واشنطن تفتقر على الأرجح إلى القدرة أو حتى الإرادة لتستعيد الدور الذي أدته خلال الحرب الباردة.

في إحدى مسرحيات بيرانديلو المشهورة، تظهر الأمم الأوروبية كسلسلة من الشخصيات التي تبحث عن كاتب، لكن هذا البحث ربما شارف على نهايته، فقد عثرت في الصين على قوة خارجية تستطيع توحيدها.

* برونو ماثايس

* "بوليتيكو"