● تفضل أن نسميك شاعراً أم كاتباً أم إعلامياً؟

Ad

-أفضّل ان أكون كاتباً، لأنّ العمل التلفزيوني أو الصحافي مهنة، أي وظيفة بينما الكتابة عملية ابداعية.

*ديوانك "ربّما" الذي وقعته في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب بدورته الـ 62 عبارة عن نصوص تجريبية، لماذا هذا العنوان؟

-"ربّما" هو الكتاب الرابع بعد "الرحيل في جسد" و"أوفلاين" و"أنا الغريب هناك". واعتبره أكثر نضجاً عن سابقيه، ويحتوي فصولاً متنوّعة من قصص قصيرة الى شذرات أو قصائد مقتضبة، إلى فصول عن مدن زرتها هي أشبه بأدب الرحلات. لم أصنّف الكتاب تحت خانة الشعر انّما كنصوص تجريبية. أما لماذا "ربما" فكي لا أدخل في الحتميات، لأنّه سؤال مفتوح على احتمالات كثيرة تماماً كما القصيدة والنص فما من يقين مبرم فيهما.

● تقول: "في بلادنا العربية يخشون الشمس أن تكون مقاومة، يتّهمون الاشجار بالمقاومة ويعتقلون الحجر بتهمة المقاومة"، هلا شرحت أكثر؟

- قصيدة "مقاومة" سياسية بامتياز وفيها رأيي الواضح حول الصراع بين مفهومي الارهاب والمقاومة. ينبغي التمييز بين الارهاب ومقاومة الشعوب، فالطبيعة مقاومة بفطرتها، مهما كثرت التخوينات او الفرضيّات الرافضة لمفهوم مقاومة الشعوب.

موت ومدن

● في قصيدة "تفاصيل صغيرة" نقرأ لك: "حين يصبح في خلايا الكلمات كلّ هذا الحزن هل نكتب يومياتنا بحبر أسود... موت وأكثر من موت". كيف نتلقف كلّ هذا الموت في روتيننا اليومي وهل نهوى كشعوب عربية الحزن والموت؟

- لا يسعنا إطلاق أحكام عامة حول طبيعة الشعوب العربية، ولا توصيفها بأنّها تهوى المعاناة والحزن والموت. طبعاً ثمة تباينات بين الشعوب من حيث التحديات والصعوبات ولكن ذلك أمر طبيعي. وهنا دور الكتابة والتعبير والابداع والثقافة، وللمثقفين مسؤولية التحريض على التغيير الايجابي للإتيان بواقع أفضل وإنشاء فضاء يليق بنضالات الشعوب هذه وتضحياتها.

● في ديوانك جرعة لا بأس بها من الحب. حتى "شذراتك" في الصحف والتي أفردت لها مساحةً واسعة تحكي العشق فهل يعيش الشاعر دون الحب؟

- في موضوع الشذرات أو القصائد القصيرة وحالة الحب او العشق كلّ من يكتب هو عاشق، فالكتابة حبّ والقصيدة عشق. الحبّ هو المحور وليس أبداً محدّداً أو مقيّداً بل هو جزء من الكينونة والوجود.

● تخصّص كماً لا يستهان به من القصائد للمدن منها، دبي، طهران، يريفان، دمشق، غزّة، وطبعاً بيروت التي لقبتها بـ"المدينة المخادعة"، هل هو سحر الأماكن الذي يغذّي قلم الشاعر؟ ولماذا هذا التوصيف لبيروت؟

-كما في أدب الرحلات ثمّة حيّز كبير للكتابة عن الأماكن والمدن. فالأماكن تسكننا ونسكن فيها، ونعود إليها أو لا نخرج منها. ولكلّ مدينة نزورها رونقها. لذلك كتبت عن معظم المدن التي زرتها، من هافانا في كوبا الى تايلند الى طهران وواشنطن وباريس وبرشلونة ويريفان وسلطنة عمان ودبي ودمشق. مدن كثيرة لها ذاكرتها وحضورها وتبقى لبيروت طبعاً مكانتها الخاصة كفضاء وتجربة أولى نحو الحرية. نكتب عنها بقسوة أحياناً لأننا نحبها ونودّ أن نتخيّلها كما نشاء لا كما هي فعلاً وتلك جدلية أخرى.

مبدعون وإشكاليات

● مَن مِن المبدعين والكتّاب يسترعي انتباهك؟

-يعجّ عالمنا بالمبدعين والكتّاب والشعراء والشاعرات والفنانين الذي يضيفون إليه نكهةً خاصة. يرسمونه بألوانهم السحرية أو يكتبونه كما يحلو لهم. وفي أرضنا كثير من المعاناة والجمال والفرح والحبّ والتجارب الانسانية، وعلينا أن نوثّقها، لذلك لا يمكننا أن نختصر الابداع هذا كلّه ببضعة اسماء. وقد يستهوينا أحياناً أشخاص مغمورون أو نكتشف مبدعين صامتين، وأراني أميل أكثر لهؤلاء المنبوذين المجهولين والمبدعين غير المشهورين. ولكن لا يسعنا طبعاً في الوقت نفسه تجاهل الأسماء الكبيرة والراسخة في وجداننا. لا نتجاهل نيكوس كازانتزاكيس في "زوربا اليوناني"، ميلان كونديرا في "الرجل الذي لا تحتمل خفته"، أو نيقولاي غوغول‏ في "الأنفس الميتة" ولن نفهم المعاناة من دون الاطلاع على رواية محمد شكري "الخبز الحافي"، ولا يسعنا تجاهل ربيع جابر أو راوي حاج في "كرنفال"... أسماء كثيرة لا يمكننا تجاهلها، ولابدّ من التوقّف عندها.

●ختمت الديوان بالبطاقات البريدية.. هل تحنّ الى زمن الرسائل الورقية التي استبدلت بالبريد الالكتروني، وهل تخيفك التكنولوجيا كشاعر يرى فيها مقبرة للكلمة أم أنك في تآخ تام معها؟

- البطاقات البريدية أيضاً محاولة للتواصل والتعبير. هي تجربة للبوح، ولها رمزية معينة. تحوّلنا في عصر التكنولوجيا الى الرسائل والبريد الالكتروني، ووسائل التواصل الاجتماعية تجسّد حركيّة التاريخ والتطوّر وعصر الحداثة وما بعد الحداثة. وهذه كلّها في النهاية وسائل تواصل. صحيح أنها تنوّعت وباتت أسرع وأشبه بالوجبات السريعة، ولكنّها شرّ لا بدّ منه، وعلينا أن نتعاطى مع كلّ جديد وكلّ تغيير وتطوّر بإيجابية بمعنى التطوّر في المعنى والفكرة كي لا يكون اتجاهنا افقياً بل عمودياً. إنّنا بحاجة الى إعادة إنتاج المعرفة في قوالب التكنولوجيا. ينبغي استبدال المعرفة بمعرفة جديدة، فهي ليست نظريات جامدة أو صندوقاً مغلقاً أو قوالب جاهزة، بل بحث واجتهاد وتجارب وتوغّل وحرية.

● هل تعتقد أن عدد قرّاء الشعر والخواطر في تراجع؟ ولماذا برأيك؟

-برأيي لم يتراجع عدد قراء هذا الصنف من الكتابات، لعلّ الوسائل باتت مختلفة، فلوسائل التواصل اليوم دور في نشر الشعر وعدد المتابعين على المنصّات هذه كبير. وكلّما ظنننا أن زمن الشعر ولّى اكتشفنا أنّه ما زال حاضراً نابضاً لا بل بإمكاننا اليوم إيصال الشعر بشكل أسرع الى عدد أكبر من الناس بفعل التكنولوجيا، يكفي أن نلقي نظرةً الى الكمّ الهائل من المنتديات على مواقع التواصل الاجتماعي والصفحات المخصّصة للشعر والشعراء دون سواهم. لن يموت الشعر إلا مع هلاك البشرية فالشعر ملازم للوجود. هو النفس والنبض والروح والمخيّلة.

● برأيك ما الإشكالية الثقافية التي علينا التركيز عليها في الشرق الأوسط والتي لا نوليها الاهتمام اللازم؟

- الإشكالية تكمن في غياب الثقافة بحد ذاتها، وغياب دور المثقف العضوي. بغياب المعرفة واستبدالها بالسطحية تحوّلنا شعوباً تستهلك كلّ شيء. تحوّلنا الى أرقام، وحقل تجارب، وتجمّعات بشرية، ولم نصبح مجتمعات فعلية تنتج أفكارها وتصنع مكانتها وتمنح تجاربها وتنشر ثقافتها. نحن خارج مسار التاريخ للأسف في مكامن كثيرة. إننا في حالة غياب، لا نشارك في انتاج الحضارة والتطوّر البشري بشكل جماعي، بل تقتصر مشاركتنا على الأفراد. ننجح كأفراد ونفشل فشلاً ذريعاً كجماعة أو مجتمعات. تجديننا مشتّتين، نعيش في ثقافة سائدة لا نجرؤ على الخروج منها. ندجّن في أماكن معيّنة ونؤدلج في أماكن أخرى ونخضع للمسلّمات في أغلب الأحيان. هذا واقعنا الحزين، وأتمنّى أن نعود يوماً إلى الأمل والضوء. بوسع الكتابة أو الشعر أو الابداع عموماً التحريض على هذا التغيير. علينا أن نكتب بطريقة مختلفة، أن نفكّر خارج الصندوق ومن دون قيود وبعيداً عن الثقافة الأبوية، من دون أن يقرّر الماضي عنا أو أن يحكمنا الأموات. بمعنى مجازي علينا قتل أجدادنا والتصالح معهم عبر إعادة إحيائهم بطريقة أفضل تحرّرنا من سلطة التقليد وعقلية الممنوع. بهذا المعنى علينا الافتخار بماضينا من منظور رؤيتنا للمستقبل، وأن نكون نحن قوام المستقبل هذا فعلاً، ولنفعل ذلك علينا أن نتحرّر من النصّ ذاته، لا أن نسجن النصّ ولا أن نسجن فيه!

مقتطف من «ربّما»

ربّما… هذا العالم موجود في إدراكنا فقط

ربّما… هو شيء آخر في مخيّلتنا

ربّما… ليس موجوداً أصلاً

كوهم نتمتّع في إنعاشه

وأحياناً… أراه كألعاب الصغار…

ربّما…نخترق الزّمن

ونرى ما لن نعيشه

كأنّنا عشنا ما لن نراه

ربّما… لأنّ الأشياء الحتميّة

كالرصاصات القاتلة

لا تحمل التأويل…