موجعة صورة تابوتك المحمول في طريق تكسوه طبقة كثيفة من الثلج، والمكان يُحاط بشجر يقف على طوله منتصب القامة متماهياً مع هيبة اللحظة وخشوع الرحيل، شجر كثيف الأغصان العارية من أي ورقة خضراء ومن أي لون، سوى اللون البني الغامق المائل للسواد، وكأن هذا العري مقصود عمدا، ليذكرنا بوجوب تعرية كل الجناة الذين ساهموا، بإزميل حقدهم الحاد وريشة عنصريتهم البغيضة وألوان أنانيتهم الضيقة، برسم تلك اللوحة السريالية الممزوجة بالفن الأسود، رغم طغيان البياض فيها، وكأنما أغصان تلك الأشجار العارية تشير، بما لا يقبل سوء الفهم والتأويل أو خطأ الاتجاه، إلى قاتليك وهادري دفء قلبك في ذلك البرد القارس، وتدل على مَن جرّدوك من وطن أنت أحق به من كل من امتطوه وحلبوه وامتصوا دمه وبخسوه قدره جهاراً نهاراً، ولم يطعموه قطعة من رغيف ولاء أو شربة من ماء حب. انتزعوك عنوة من حيث نبتّ، لتصبح "المنبت" في شائك الطرقات، لتستقر في وطن قصيّ لا يشبهك ولا يمتّ لك بجذر، لتموت فيه بعيداً عما ألفت وعمن اختلفت حين شبَبْت!

تلك الصورة التي تناقلها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لجثمان الروائي والكاتب والصديق ناصر الظفيري تدمي القلب، وتشرّع أبواب المشاعر المختلطة بالقهر والحزن الداكن على مصاريعها، هذا القادم من وطن الصَهَد والرمضاء الحارقة، والذي ظل يستوطنه الكثير منهما، ويسكن بين حناياه موقد وقوده من نار الذكريات التي لم تساوم الرماد حتى آخر أنفاسه، كيف آل مقامه الأخير والأبدي بهذه الحياة في باطن الصقيع وعمق الزمهرير؟! وكيف احتمل قبره البارد الثلجي منه هذا السعير؟! كيف لم يشتعل قبره لهباً، ولم تتناثر قطعه الثلجية حجرا من الجمر، وهو ذاك الذي بقي حتى الرمق الأخير قابضاً على فيح الصحراء وهجيرها، وممسكا بكل ما أوتيت أضلاعه من قوة على حر سمومها؟! لم تأخذه المسافة البعيدة جداً أبعد من اختلاف في "التوقيت المحلي"، ولم تغيبه زمناً أطول من "نلتقي قريباً" عن وطن لم يبادله الانتماء، فكل ما نزفه حبراً في غربته كان بمثابة جسور توصله إلى وطن مملوء به، ويشعر بالانتماء له، ولم يغفل قلبه طرفة حب عنه، كما لم تنشغل عينا إبداعه عما يؤصل علاقته به.

Ad

أذكر أن ناصر الظفيري، رحمه الله، كتب بهذه الجريدة في عموده الأسبوعي تحت عنوان "طائر الوطن": "سألت مسفر، وكأني أسأل نفسي؛ لماذا لم تتبدل؟! فأجاب بكل صدق: أنا ابن هذه الأرض كل ما بداخلي ينتمي إليها". ويضيف ناصر الظفيري، يعنيني، "هذا العشق الحقيقي لا يطلب الآن منه شيئاً سوى أن يعيش علاقته الخاصة بوطن حمله بين دفتي قلب ينشره شعراً أينما كان، حاولت ظروفه القاسية أن تخرجه عن وطنه، ولم تستطع كل الظروف القاسية أن تخرج الوطن منه" انتهى.

في تلك الكتابة اختلط الأمر عليَّ حينها، فلم أكن أدري إن كان يتحدث عني أم عنه هو!

كلما نظرت إلى صورة جثمانه في ذلك البياض الموحش فاض الوجع لصهد خامته الأخيرة في الثلج، حيث لا ينتمي.

رحمك الله يا صديقي وعفا عنك، آمين.