هناك شيء في عالم السباق الأعمى الذي نعيشه يتناقض مع روحي، أنا ضد الإنجاز الذي يجرف في سبيل تحقيقه كل شيء، صرنا ندهس الكثير مما يغذي الشعور بالأمان والهدوء باسم الكسب، والعملية، ومفهوم التفوق الذي غرسته فينا رأسمالية بربرية. والأغرب أن تبرير ذلك لم يعد مهما، ففكرة التفوق نفسها أصبحت مسوغا جاهزا لكل شيء، أياً كان قبح الوسائل التي نستخدمها في التنافس وتحقيق ذلك التفوق. سباق منهك، والنتيجة بالنسبة لي ضياع كامل: ضياع عمر، وضياع جهد، وضياع قيم.

لم ينجُ مجال الإنتاج المعرفي من هذا السباق المنهك؛ أي أن يكون فعل الركض الأعمى مرتبطا بتحقيق مصالح فرد، أو تحقيق صالح مؤسسة على حساب أي قيمة إنسانية أو معرفية، فالمهم هو التفوق باسم القيم الحالية، وتحقيق مراكز أعلى في سباق فقد معناه.

Ad

لقد غرس الغرب الرأسمالي فكرتين أصبح اجتماعهما كارثيا: الفردية التي تصل حد العزلة، والتنافسية القصوى. تنطبق الفكرتان على المؤسسات والأفراد جميعا، بحيث يصير التنافس الهمجي المتلبس صورة متحضرة، متغلغلا في أنفسنا بلا مبرر حقيقي سوى الفوز والتفوق في سباق بلا معنى، كما أشرت، كما أنه سباق لا يعلم أحد نهايته، أو على أحسن تقدير لا نهاية له سوى تحقيق مكاسب في المضمار نفسه، ولا شيء آخر؛ أي ان السباق نفسه صار الوسيلة والغاية.

في ثقافاتنا العربية لا يتسم الأمر بهذا العنف، ليس بسبب الوعي بمشكلات التنافسية الغربية وما تجره من تفريغ للقيمة، أو بسبب تمسكنا بقيم إنسانية تخفف من وطأة السباق الرأسمالي البربري، لكن بسبب قعود الهمم والكسل العقلي اللذين تستكين لهما نخبنا المثقفة.

كارثتنا من نوع مختلف، فنحن ثقافات تسير نخبها في ركاب السُّلطة بلا قدرة على رفع الرأس، وبلا طموح لتحسين أوضاع المعرفة. نخبنا تقف أمام معارك تاريخية مهمة في صمت وتخاذل مرعبين. لا يعني ما سبق أن النخب الغربية أو العربية التي تعيش في الغرب قادرة على ممارسة حرية معرفية كبيرة في الوصول إلى نتائج بحثية نزيهة وإعلان آراء حرة، بل يبدو أن الأمر لا يقل سوءا بكثير عما نراه في الشرق العربي وبلدان العالم الثالث، وكم اشتكى لي أصدقاء يعيشون في أميركا وأوروبا من سياسات التقييم والثواب والعقاب الضمنية التي تمارس قمعا وعنصرية عنيفة على الباحثين، لضمان عدم ظهور إدوارد سعيد آخر أو تشومسكي جديد.

الكارثة عامة، ويبدو أن الشرق والغرب في حالة فقدان للبوصلة على مستوى العلوم الإنسانية تحديدا، بحيث غابت التحديات الإنسانية الأكثر خطورة، مثل: العنصرية المتصاعدة عالميا، ازدواج المعايير في التعامل مع قضايا الحريات الأكاديمية والشخصية التي تنتهك في كل مكان تقريبا، العنف السياسي المتصاعد ضد الاختلاف، عودة الفاشيات العسكرية والدينية باسم اليمين في كثير من بلدان العالم، تعبئة الأسلحة واحتمالات حرب كونية أخيرة، تدمير الغرب الصناعي للبيئة، العدالة في العلاقات الدولية، وغير ذلك من مشكلات يسود سكوت مريب تجاهها رغم خطورتها.

نحن جميعا بحاجة لإعادة النظر في الاستثمار المعرفي طبقا لقوانين الغرب التنافسية البربرية، إن كانت غايتنا حقا هي المزيد من العدالة والسلام ودعم قيم الوجود الإنساني المشترك.