أثناء اغترابي –الاختياري- خلال العقود الماضية، لم أكن أتابع تلفزيون الكويت الرسمي، بسبب تواضع ما يقدمه من برامج، لكنني كنت حريصاً على متابعة نشرة الأخبار، التي بقيت هي الأخرى شديدة التواضع في أسلوبها الروتيني منذ أكثر من نصف قرنٍ، دون محاولة للارتفاع بمستواها، بما يتناسب والتقنيات الحديثة، أو التطور في استجلاب ضيوف يحللون الأخبار، أو الارتفاع بمستوى شبكة المراسلين في الخارج، فظلت مكانك سر. ولما سُمح لقنوات غير رسمية ببث برامجها في الكويت تفوقت هذه القنوات الجديدة على التلفزيون الرسمي بعدة مراحل، وبإمكانات أقل بكثير مما يُهدر من ميزانية الدولة على القنوات الرسمية.

لماذا هذه المقدمة؟! لأنني عدت لمشاهدة تلفزيون الكويت الرسمي، بعد أن أعلن أنه سيبث لقاءً مع الشيخ ناصر صباح الأحمد.

Ad

ولما كان الحديث في الشارع الكويتي يعول كثيراً على مجيء هذا الرجل ليتولى مناصب كبيرة تسمح له بإحداث تغييرات جذرية في الكويت، كان لابد لي من متابعة هذا اللقاء، رغم ما قيل عن اللقاء بعد بثه من تحليلات وآراء بعضها سلبي، والبعض الآخر طرح تساؤلات عديدة تناولتها وسائل الإعلام الكويتية بكل حرية وشفافية تتواءم وديمقراطية الكويت.

فاسمحوا لي أن أدلي بدلوي في هذه السطور، ولا أظن فيها الجديد، وإن جاءت متأخرة قليلاً.

أولاً: لم يسبق لي أن شاهدت مسؤولاً من الأسرة يتحدث مرتجلاً بهذه الطلاقة، وبهذا الكم المعرفي لإيضاح وجهة نظره في القضايا التي طُرحت عليه، وبفهمٍ دقيق.

ثانياً: واضح من إعداد الأسئلة التي طُرحت على الشيخ ناصر أنه كان هناك تركيز موحى به على مشروع الحرير، أو إنشاء مدينة جديدة سترصد لها ميزانية فلكية لتستوعب طاقات وخبرات بشرية وتقنية مهولة تقتضي عمل دراسات معمقة تأخذ عدة عقود من الزمن.

ثالثاً: مفردات وجمل الشيخ ناصر، وهو يتحدث عن هذا المشروع الضخم، مفعمة بروح التفاؤل، وكأنه ممسكٌ، وهو مبتسم، بالمقص، ليقص شريط افتتاح مشروعه، بعد أن تتم مناقشته والموافقة عليه في مجلس الأمة!

ورغم ما طُرح، من خلال ما سمعته في اللقاء، فإن دولاً كبرى كأميركا وبريطانيا وفرنسا، فضلاً عن الصين ودول أخرى، تبحث لنفسها عن دور في مشروع كهذا!

أليس من الواجب إذن أن يتجاوز هذا المشروع كل الشكليات البيروقراطية، خصوصاً أنه جاء تلبية لتوجيهات صاحب القرار الأول في الدولة؟

رابعاً: هناك الكثير من التحفظات طرحتها أحزاب الإسلام السياسي حول الانفتاح الذي ستكون عليه عملية إنشاء هذا المشروع الضخم ليتواءم مع متطلبات العناصر البشرية، التي ستأتي من الخارج، وبالتالي فإن خضوع مشروع بهذه الضخامة للمزايدات السياسية قد يؤدي إلى إثارة مجادلات وتوتر ربما يُحسم بحل مجلس الأمة ليصدر به مرسوم! وإذا جاء مجلس جديد فسيطرح نفس المزايدات، وهلم جرا.

ليت هناك صيغة قانونية تحول دون هذه المعوقات، لكي يأخذ هذا المشروع طريقه نحو التنفيذ، والبدء بالعمل كإنشاء هيئة مستقلة تتفرغ كوادرها البشرية المحترفة، التي سيُؤتى بها من جميع أنحاء العالم، بعيداً عن المزايدات الضيقة الأفق.

المشروع رائع وضروري، ولابد من أن ينفذ كرؤية مستقبلية لكويت المستقبل.

وقبل أن أختم أعبر عن إعجابي بمقدمي اللقاء، حيث أديا دورهما باحتراف مهني متقن وجميل.