شكّلت خطة تيريزا ماي الأخيرة محاولة يائسة لتفادي خروج بريطانيا في 12 أبريل، صحيح أنها أخفقت إلا أنها قد تساعد حزبها في الانتخابات.

إذاً، نعرف اليوم أننا لن نشهد محاولة ثالثة لإجراء تصويت هادف، وبدلاً من ذلك ستُنظّم الحكومة تصويتاً على صفقة الطلاق وحدها، أي اتفاق الانسحاب، واضعةً جانب أي شراكة مستقبلية في الوقت الراهن.

Ad

تمثّل هذه محاولة يائسة لاستيفاء شروط المجلس الأوروبي للحصول على تمديد لغاية 22 مايو، وإذا لم يُمرَّر اتفاق الانسحاب، فلا شك أنه سيُطلب من المملكة المتحدة المشاركة في انتخابات البرلمان الأوروبي كشرط للحصول على تمديد بعد 12 أبريل، ويحقق تمرير اتفاق الانسحاب من دون إعلان سياسي شروط المجلس الأوروبي للتمديد، إلا أنه لن يستوفي متطلبات التصديق داخلياً بما أن هذه الخطوة تستوجب قانوناً برلمانياً.

في حال تقرر إجراء انتخابات فمن المرجح أن تُعقد في 23 مايو، أي في اليوم المحدد لانتخاب البرلمان الأوروبي، وهكذا لا يُضطر المقترعون إلى التوجه مرتين إلى صناديق الاقتراع، ومشاركة المملكة المتحدة في هذه الانتخابات شرط حدده المجلس الأوروبي لتمديد فترة المادة 50 بعد 12 أبريل، وقد يعِد المحافظون بأنهم سيعمدون، إذا أُعطوا الأكثرية في الانتخابات العامة، إلى تمرير اتفاق الانسحاب في الحال كي تتمكن بريطانيا من الخروج من الاتحاد الأوروبي قبل أن يتمكن أعضاء البرلمان الأوروبي من استلام مقاعدهم في 2 يوليو.

تعود جذور الأزمة الراهنة إلى رد فعل رئيسة الوزراء الاستراتيجي المتهور تجاه الانتخابات العامة عام 2017، فإذا لم تشكّل النتيجة المتقاربة في استفتاء عام 2016 مؤشراً واضحاً كافيا بضرورة التوصل إلى تسوية، كان من المفترض إذاً أن تتجلى الحاجة إلى مقاربة بين الأحزاب بوضوح من خلال الانتخابات العامة لعام 2017 التي لم تعطِ الأكثرية لأي حزب.

ومن الغريب بالتأكيد أن نرى، قبل أيام قليلة من موعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، النواب يعبرون للمرة الأولى عن تفضيلاتهم في البرلمان لا على شاشات التلفزيون وعبر شبكة الإنترنت، ولا شك أن محاولة إنهاء عملية عند النقطة التي كان يُفترض أن تبدأ معها لن تؤدي إلى النجاح.

نكون واهمين طبعاً إذا ظننا أن البرلمان يستطيع أن ينجز في غضون أيام ما عجزت عنه الحكومة طوال ثلاث سنوات تقريباً، فلا يُشكّل غياب دعم الأكثرية لأي من نتائج الخروج من الاتحاد الأوروبي المطروحة في المرحلة الراهنة مفاجأة كبيرة، إذ كان يُفترض فهم النتيجة المتقاربة بأنها توجيهات للحفاظ على شراكتنا الاقتصادية على أسس سياسية جديدة تحترم التصويت للخروج، والسعي في الوقت عينه أيضاً إلى الفوز بموافقة مَن صوتوا للبقاء، لكن طبيعة علاقة مماثلة معقدة، لذلك ينبغي التفاوض بشأنها بدقة وحرص، حتى على المستوى العالي نسبياً من الإعلان السياسي.

يجب أن تحدد هذه المفاوضات مبادئ العلاقة الجديدة وهندسة القواعد والمؤسسات الجديدة الضرورية لبنائها، ومن المستحيل بالتأكيد التفاوض مع الاتحاد الأوروبي بشأن اتفاق معقد إلى هذا الحد في غضون أيام بغية الانسحاب قبل 12 أبريل. إذاً، آن الأوان للطبقة السياسية البريطانية أن تتقبل واقع أنها أخفقت إخفاقاً مريعاً،

ومن الواضح أن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي الذي نودي به خلال مرحلة استفتاء عام 2016 لا وجود له ولن يتحقق، ولطالما شكّل هذا الخروج سراباً يشدك من بعيد إلا أنه مجرد خيال، وتمثل حالة الفوضى الحاصلة اليوم إهانة لمصالحنا الوطنية، لذلك يبقى المسار المناسب الوحيد راهناً تحمّل الذل بتقديم طلب للحصول على تمديد مطوّل والعودة إلى طاولة التخطيط والدرس، ولا شك أن هذه الخطوة ستفتح الباب أمام التفاوض بشأن اقتراح منطقي من الممكن عرضه على الشعب في استفتاء آخر مع تقييم صادق مقارنةً باستمرار عضويتنا في ظل الصفقة الراهنة: في الاتحاد الأوروبي وخارج منطقة اليورو مع تخفيض كبير في رسوم اشتراكنا، وهذه بالتأكيد صفقة سيظن الجميع حول العالم أنها الفضلى. نحن في أمس الحاجة إلى قيادة سياسية جدية تستطيع أن توضح للبلد كيف وصلنا إلى هذه المرحلة وكيف يمكننا المضي قدماً، وتبقى الحقيقة غير المحكية أن مشاكلنا تخصنا وحدنا، إذ نعيش في عصر من الظلم الاقتصادي والاجتماعي العميق يعود إلى قرارات اتُّخذت في ويستمنستر لا في بروكسل، وشكّل الخروج من الاتحاد الأوروبي وسيلة إلهاء كبيرة حالت دون مواجهتنا هذه المشاكل، بل على العكس زعزعت ثقتنا بقدرة مؤسساتنا على حلها.

حان الوقت ليطلب السياسيون من الشعب السماح بأن يتحملوا مسؤولية أخطائهم، وليُخرجوا البلد من الفراغ الذي أقحموه فيه، لكن كل هذا لم يرِد في أوراق الاقتراع خلال التصويت الإرشادي قبل أيام، ولن يظهر في مقترحات الحكومة لاحقا.

* توم كيباسي

* «الغارديان»