في مواجهة عاصفة عالمية رافضة لتحركه الأحادي، برر الرئيس الأميركي دونالد ترامب اعترافه بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان السورية، التي احتلتها في حرب يونيو 1967 وضمتها عام 1981، مشيرا إلى الخطر القادم من إيران.وكتب ترامب في الوثيقة، التي وقّعها أمس الأول بحضور رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو ونائبه مايك بنس ووزير خارجيته مايك بومبيو ومستشاره للأمن القومي جون بولتون، «سيطرت إسرائيل على الجولان لحماية أمنها. واليوم، الأفعال الهجومية المتواصلة من إيران والمجموعات الإرهابية ومنها حزب الله في جنوب سورية، جعلتها أرضاً محتملة لشن هجمات عليها».وأضاف الرئيس الأميركي: «بناء على هذه الظروف الفريدة، من المناسب بالتالي الاعتراف بسيادتها على الجولان»، مؤكدا أن «أي اتفاق سلام مستقبلي محتمل في المنطقة يجب أن يراعي حاجة إسرائيل إلى حماية نفسها».
وقبل عودته إلى إسرائيل أمس، قال نتنياهو: لقد «مرت 50 عاماً حتى حصلنا على هذا الاعتراف وعدنا إلى الجولان، والجولان لنا بحق تاريخي، وبموجب حقنا في الدفاع عن النفس، والرئيس ترامب اعترف بذلك»، مضيفا أن «ما حدث خلال زيارتي التاريخية إلى واشنطن أمر ستذكره الأجيال».وذكر نتنياهو أنه «عندما تشن حروبا عدوانية تخسر فيها أراض، فلا تأتي لاحقاً وتطالب بإعادتها. هذه الأراضي تعود لنا، ولدينا جذور تاريخية في الجولان، وعندما تحفر هناك بالمعول تعثر على كنس يهودي فاخر نرممه الآن».
تدهور السلام
ورغم إعراب بومبيو عن حزنه للرفض الواسع لقرار رئيسه، تواصلت لليوم الثاني، ردود الفعل المنددة بالخطوة، التي لاقت رفضاً شديداً وحائط صد قويا من حلفاء الولايات المتحدة الرئيسيين في المنطقة.ومع استمرار صدور المزيد من المواقف الشاجبة لهذا القرار المخالف لقوانين الأمم المتحدة، شهدت مدن سورية عدّة أمس اعتصامات منددة باعتراف واشنطن بسيادة إسرائيل على الجولان.واعتبر مصدر بوزارة خارجية الكويت أن «هذا القرار يخالف القانون الدولي والشرعية الدولية»، موضحاً أنه «يمثل تقويضاً لعملية السلام الشامل في الشرق الأوسط وتهديدا للأمن والاستقرار فيه».وشدد نائب وزير الخارجية خالد الجارالله على أن الجولان أراض سورية، والخطوة الأميركية «مؤسفة وتتجاوز القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن، وستؤدي إلى مزيد من التوتر وتدهور عملية السلام المتعثرة أصلاً، بدلاً من احتواء الاحتقان بالمنطقة».آثار كبيرة
ومع تحذيرها من «آثار سلبية كبيرة»، أكدت السعودية أمس «رفضها التام واستنكارها» لاعتراف ترامب بسيادة إسرائيل على «أرض عربية سورية محتلة»، مؤكدة أن قراره «هو مخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي».وأعربت الإمارات عن استنكارها، مؤكدة «عدم إمكانية تحقيق الاستقرار طالما تواصل إسرائيل احتلالها للأراضي الفلسطينية والعربية».موقف ثابت
وإذ اتفقت سلطنة عمان على أن «القرار الأميركي لا يغيّر شيئاً من هذه الحقيقة، لكونه يتعارض مع القانون الدولي»، جددت قطر موقفها الثابت بأن «مرتفعات الجولان أرض عربية، ومساعدة الاحتلال على ازدراء القرارات الأممية لن يغيّر الحقيقة».وطالبت البحرين الجميع باحترام قرارات الشرعية الدولية وتضافر كل الجهود لإنهاء احتلال إسرائيل للجولان.مصالح لبنان
وقبل لقائه الرئيس فلاديمير بوتين في زيارته الأولى إلى موسكو، وصف الرئيس اللبناني ميشال عون أمس قرار ترامب بأنه «يوم أسود يشهده العالم، وعمل تعسفي يناقض الشرعية الدولية التي ترعى الحدود بين الدول».وأشار عون، خلال لقائه رئيس مجلس الدوما ياتشيسلاف فولودين، إلى أن الجولان منطقة سورية، وقسم منها في الأراضي اللبنانية، مشيرا إلى أن «هذا القرار يمس المصالح اللبنانية بشكل مباشر أيضاً، ولا يحق لرئيس دولة أجنبية التصرف بأراضي دولة أخرى».رسالة للعرب
وأكد وزير الخارجية السوري وليد المعلم أن «الجولان المحتل محصن بدعم الشعب وصمود قواته المسلحة، وقرار ترامب لن يؤثر إلا على عزلته وإدارته»، محذرا من أن «استمرار هذه السياسة يعطي رسالة للعرب أن اليوم الجولان وغداً لا نعلم ماذا يريد».بدوره، أكد وزير خارجية العراق محمد الحكيم أن «الجولان المحتل أرض سورية أصيلة، ولا بدّ من إرجاعها كاملة، ونرفض ضمها إلى الكيان الصهيوني تحت أي مبرر».انقلاب أميركي
واتهمت وزارة الخارجية الفلسطينية أمس «الإدارة الأميركية بالتمادي في الانقلاب على مواقف وسياسة سابقاتها، والعدوان الصريح على الحقوق العربية، وانتهاك الشرعية الدولية وقراراتها».وأكد الأردن أن قرار ترامب «لا يغير حقيقة أن الجولان المحتل أرض سورية»، مجدداً «موقف المملكة الثابت والواضح في رفض ضم إسرائيل لها وفي رفض أي اعتراف بهذا الضم».ودان الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبوالغيط بأشد العبارات القرار، معتبراً أن «العرب يرفضون هذا النهج، والجامعة تقف بقوة وراء الحق السوري وقرارات قمة تونس ستعكس ذلك».موجة توترات
وسارع «الكرملين» إلى التحذير من «موجة توترات جديدة» في الشرق الأوسط، مؤكداً أن القرار «انتهاك للقانون الدولي»، وسيؤثر سلباً على التسوية السياسية في سورية.واتهم وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الولايات المتحدة بتجاهل القوانين الدولية، مؤكدا أن القرار لن يضفي الشرعية على سيادة إسرائيل على الجولان، لكنه يعيق جهود السلام ويزيد من حدة التوتر في المنطقة.وفي حين انضم الاتحاد الأوروبي إلى الركب الرافض لقرار ترامب، اتهم الرئيس الإيراني حسن روحاني نظيره الأميركي باتباع نهج «استعماري»، قائلا: «خلال حقبة الحكم الاستعماري، قامت بعض القوى الاستعمارية بأمور كهذه، ووهبت أجزاء من دولة ما إلى أخرى، لكن ذلك أمر غير مسبوق في القرن الحالي».غموض يلف مصير «أندوف»
بينما ناقش الاجتماع العلني الشهري لمجلس الأمن حول الشرق الأوسط، قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجزء الذي تحتله من هضبة الجولان، أعلن المتحدث باسم الامم المتحدة ستيفان دوغاريك أن الوضع القانوني للمنطقة السورية «لم يتغير». لكن مجلس الأمن الدولي سيجري اليوم مشاورات مقررة منذ مدة حول قوة الأمم المتحدة (اندوف) المنتشرة في مرتفعات الجولان لمراقبة اتفاقية فض الاشتباك بين سورية وإسرائيل.وقال أحد الدبلوماسيين إن موقف الولايات المتحدة حيال مستقبل هذه القوة التي تنتهي ولايتها أواخر يونيو، خلال نقاشات اليوم، سيكون «مثيراً للاهتمام». وأضاف ان الابقاء على القوة لن يكون متوافقا مع السياسة الأميركية الجديدة التي تنسب هذه الأرض إلى إسرائيل. ويبلغ عديد «قوة الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك» حوالى الف رجل من قوات حفظ السلام، بكلفة سنوية تبلغ نحو 60 مليون دولار. وهذه القوة مكلفة منذ عام 1974 بمراقبة منطقة عازلة منزوعة السلاح في مرتفعات الجولان. في الأمم المتحدة، يحظى القرار الذي يجدد ولاية هذه القوة سنويا بخصوصية فريدة في عمليات السلام، وهي صياغته بشكل مشترك من جانب واشنطن وموسكو.