انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي مقتطفات من أحكام قضائية نهائية حول الجامعة الأميركية في أثينا، حيث تم وصفها بمكاتب تجارية رخيصة وتفتقر إلى أدنى معايير الكفاءة الأكاديمية والتحصيل العلمي الرصين، وبمعنى آخر إن الشهادات الصادرة عن تلك المؤسسة لا تتعدى كونها وريقات وهمية وزائفة لا قيمة علمية لها على الإطلاق، وتضمّن الخبر المنشور قائمة مكونة من 13 صفحة تحتوي على أسماء وتخصصات مجموعة كبيرة من المواطنين والدرجة العلمية التي حصلوا عليها في مجالات الهندسة والقانون وإدارة الأعمال والمحاسبة، وهي من أهم الاختصاصات في سوق العمل، بل من صميم متطلبات التنمية البشرية.

طبيعة الخبر غير مفاجئة على الإطلاق، فموضوع الشهادات الوهمية بات من الأخبار القديمة والمكررة، وقد تعاقب على إثارتها كفضيحة علمية تسعة وزراء مختلفين للتربية والتعليم العالي، دون وجود أي مؤشرات على محاسبة المقصرين في هذه القضية أو الإعلان على الأقل عن إغلاق هذا الملف بالكامل.

Ad

لكن المثير في القائمة المنشورة أنها تضم تشكيلة متنوعة من المواطنين يمثلون ولو بتفاوت معظم المكونات المجتمعية الكويتية، في دلالة مخيفة على مدى انتشار ثقافة الفساد والاطمئنان إلى غياب الحساب والعقاب، ولو على حساب التعليم الذي يشكل في مضمونه الحقيقي مستوى نضج المجتمع وتحصيله المعرفي، بل الأدهى والأمر أن فلسفة التعليم لم تعد ضرورة وجدانية أو مصدر إلهام حضاري أو رسالة مقدسة، ولكن الشهادات والدرجات العلمية في الكويت باتت ولو بالشكل الظاهري المنفذ للمال والرزق الإضافي لارتباطها في معظم مخرجات الجامعة الوهمية المذكورة بكوادر مالية ومزايا وظيفية، والأهم من ذلك مشروع تولي الوظائف القيادية في الدولة، وهي مناصب اتخاذ القرار وتقرير مصير البلاد والعباد.

ما يثير الشفقة على حال البلد أن العديد من أبناء علية القوم، ممن يحظون بعين الرضا والقرب من مراكز النفوذ قد شملتهم قائمة الشهادات الوهمية، ومنهم أبناء أسرة الحكم وكبار المسؤولين والأكاديميين، وهؤلاء يفترض أن يكونوا قدوة المجتمع وصمام أمانه، بل يفترض أن تكون هذه العوائل تحديداً قادرة على إيفاد عيالها إلى أرقى الجامعات العالمية تماشياً مع مواقع المسؤولة الخاصة بهم والملاءة المالية التي ينعمون بها، لا أن يسبقوا ركب المتهافتين على الشهادات الوهمية.

قد يبرر هذا الفعل القبيح بالتصرف الفردي، وأن الأشخاص أنفسهم يتحملون مسؤولية أعمالهم، وهذا أمر صحيح، ولكن يجب في هذه الحالة تفعيل هذا المبدأ ومنع أمثال هؤلاء من توريث المناصب والمواقع القيادية أيضاً، وهنا يأتي دور مجلس الأمة، وأخص بالذكر من تبقى من النواب الوطنيين أن يسألوا عن تفاصيل هذه الفضيحة وتحديداً تاريخ الحصول على الشهادات الوهمية، والمزايا التي حصلوا عليها بموجبها، ومواقعهم في مناصب الدولة الإدارية والقيادية رحمة بهذا البلد ورأفة بالشباب الجامعيين الذين ينتظرون فرج التوظيف أكثر من ثلاث سنوات!