أول العمود:

Ad

وصلنا إلى مستوى متدنٍّ جداً في إشغال الدولة بمواضيع هامشية، ومن ذلك أن تنشغل السطلتان، التنفيذية والتشريعية، بإصلاح الشوارع!

***

ما الذي يجمع بين حادثة تفجير مسجد الصادق في الكويت في يونيو 2015 من قبل انتحاري سعودي هو "فهد القباع"، وراح ضحيته 27 مصلياً في مسجد آمن في شهر رمضان، وخلّف أكثر من ٢٢٧ جريحاً، وبين حادث قتل المصلين في مسجدين في نيوزيلندا الذي قام به متعصب للبيض وهو الأسترالي "برينتون تارانت"، الأول عمره 26 سنة عندما أقدم على قتل مسلمين، والثاني عمره 28 سنة وقتل قرابة ٥٠ شخصاً وتسبب في جرح 40 آخرين كلهم مسلمون وكانوا مثل نظرائهم في مسجد الصادق يقيمون الصلاة.

أن تقتل أناساً في مكان عبادة فذلك فعل لا يمكن التنبؤ به، ولا يخطر على بال، وهو سهل جداً خصوصاً في وقت أداء الصلاة، وترتيب أعمال القتل مع تطور وسائل الاتصال أصبح أكثر سهولة، وبعيداً عن أعين الأمن والناس، وفي حالتي "القباع" و"تارانت" يبدو الأمر صعب التنبؤ به لأنه وإن وقف خلفهما مجموعة إرهابية أو تيار شعبوي فإن المنفذ يكون واحدا أو اثنين.

ما نريد تأكيده هنا أن مثل هذه الحوادث لن تنتهي، وستتكرر حتى في أكثر البلدان استقراراً وديمقراطية، لأنها ممارسات مرتبطة بالكراهية على مختلف صورها، سواء اللفظية التي يقف وراءها ساسة متاجرون بالمبادئ كما يحدث هنا في الكويت من خلال مناكفات ضد الأجانب أو البدون، أو ما يحدث في مجتمعات غربية أكثر تطوراً وحضارة ضد المهاجرين عموماً والمسلمين تحديداً.

رد الفعل الكويتي والنيوزيلندي الرسمي والشعبي على حوادث المساجد كان فعلاً سياسيا واجتماعياً شعبياً مسؤولاً وراقياً، ساهم في تضميد الجراح بنسب عالية، ونستذكر هنا دور سمو أمير البلاد في السيطرة على الوضع وإفشال أهداف المخربين في تخريب الوئام الاجتماعي، كما كانت إقامة عزاء المسجد الكبير وإعلان الحداد العام لثلاثة أيام رسالة ذكية.

رئيسة وزراء نيوزيلندا "جاسيندا أرديرن" أدت دوراً سياسياً واجتماعياً شبيهاً بالفعل الكويتي مع اختلاف التفاصيل، وكانت موفقة جداً في وقف تبعات الحادث الإجرامي بفضل ما قدمته من دعم للجالية المسلمة وإبداء عدم التسامح مع الإرهاب ونبذه بشكل قاطع.

لن تستطيع حكومة على هذه الأرض أن تمنع حوادث جبانة كهذه كما قلنا، لأنه من قبيل "القتل السهل" الذي لا يحتاج سوى سلاح وجنون من منفذه، لكن واجب النظام السياسي– أي نظام– أن يقف حازماً تجاه موجات الكراهية والتحريض سواء كان مصدر ذلك من جماعات سياسية أو دينية أو اجتماعية، أو مناهج تعليمية.

لن ينفع في مواجهة الكراهية إلا تعويم مبادئ حقوق الإنسان في الحياة العامة وعبر تشريعات مُنصفة تُدير حياة البشر بشكل يومي، ونشر ثقافة قبول الآخر.

تقليل تأثير مثل هذه الحوادث الإجرامية يُمكن من خلال الوعي الجمعي بخطورة الإرهاب والتكاتف ضد التطرف والكراهية أياً كان مصدرها، لكن الوعي بحاجة لمن يصنعه.