الاستجواب الأخير المقدم لوزير التجارة قد لا يقدم ولا يؤخر في المشهد السياسي، ليس لطبيعة المساءلة أو مادتها ومحاورها، ولا لأشخاص مقدمي الاستجواب، ولا حتى لشخص الوزير المستجوب، فنتيجة المساءلة حسمتها ورقة طرح الثقة التي لم تكتمل إلا بعد إضافة أسماء النائبين المستجوبين، وبذلك تكون جلسة التصويت على طرح الثقة شكلية ومضمونة للحكومة بكل أريحية.

التفاوت في المواقف النيابية بشأن الاستجواب أمر طبيعي بين مؤيد ومعارض، وتعتمد على النقاش وردود المادة المعروضة، لكن الفرز بين أقلية لا تتجاوز 15 نائباً في أغلب الأحيان مقابل الغالبية الساحقة من نواب الحكومة لا تسمح على الإطلاق ببناء أي موقف على أسس موضوعية أو قناعات سياسية، ولا حتى وفق نبض الرأي العام في جميع دوائر الانتخابية، وهذا الشعور كان لافتاً في الانتخابات التكميلية، حيث جاء توزيع أصوات المقترعين على المرشحين بمثابة رسالة مفادها انعدام الثقة بالحكومة ومجلس الأمة الحالي معاً.

Ad

بعض محاور الاستجواب مستحقة وخطيرة وتم بيان تفاصيلها بشكل جيد ومقنع، ولكن مضمون الاستجواب نفسه وأسبابه وخلفياته أكبر من شخص الوزير وأكبر من شخوص النواب، فقضية مثل النصب العقاري أو التنفيع في توزيع القسائم الصناعية وبعثرة الأموال العامة، واختراق بعض الوافدين، وإن كانوا مجرد واجهة، للعديد من الأجهزة الحساسة في الدولة، وصنع القرار، تمثل أزمة دولة وحالة كبيرة من الضياع واستفراد مجموعة صغيرة في إدارة الشؤون الرئيسة للبلاد، واستباحة ما فيها من أموال وثروات، وما يساعد على ذلك هو الانقسام المجتمعي ونجاح إشغال الناس ببعضهم وخلط الأوراق وبعثرتها، وإفراغ المؤسسات الدستورية من محتواها، وأخيراً فإن ابتعاد الثقافة السياسية وتراجع الوعي الوطني جعل من مهام الرقابة والتشريع مجرد ديكور شكلي خالٍ من أي محتوى حقيقي.

وأبلغ دليل على ذلك أنه مع ولادة مجموعة من الهيئات الرقابية مثل محاربة الفساد والنزاهة وتفعيل الضبطية القضائية لدى العاملين في أجهزة حكومية مختلفة بالتزامن مع الكم الهائل من القضايا المحالة إلى النيابة العامة، وكثرة الاستجوابات في آخر ثلاثة مجالس، تضاعف حجم الفساد بكل المقاييس وارتفعت معظم مؤشرات الأداء السلبي، وزادت نسب العجز المالي، وتراجعت معايير الثقة والمصداقية عند الغالبية الساحقة من الناس.

وعندما يتم وصف الاستجواب بأن صراعاً بين التجار وتصفية الحسابات بين الوزراء داخل الحكومة الواحدة، وتحريض أحد الوزراء للنواب على توقيع ورقة طرح الثقة، وتخندق أعضاء مجلس الأمة خلف الانتماء الطبقي أو القبلي، فبالتأكيد "تضيع الصقلة" في أصل الاستجواب ونتيجته، ولعل كل ما ذكر وما سبق في حالات استجواب سابقة، بل المشهد السياسي منذ عام 2012، هو انعكاس طبيعي لنظام التصويت وفق الصوت الواحد الذي بات يمزق الممزق ويفتت المفتّت ويزيد الفاسد فساداً! إن ما تناولته وسائل التواصل بعد الاستجواب من مقطع للفنان الراحل عبدالحسين عبدالرضا في مسرحية فرسان المناخ عام 1983 يلخص بكل دقة وإبداع الاستجواب الأخير في كوميديا سوداء مؤلمة لكنها مضحكة أيضاً، وهذا ما نعيشه يومياً من حالات مأساوية نتمنى ألا تكون ميئوسا منها!