تمايلت وهي التي لا تعرف سوى الجري كما كل سكان هذا الكوكب الذي رددوا عليه إن الزمن القادم هو"عصر السرعة"، فصدق أنها وسيلتنا جميعا إلى التطور والتقدم ونسي مثلنا المكرر "في التأني السلامة وفي العجلة الندامة".

كلهم يجرون جري الوحوش، حتى وجبات الطعام أصبحت سريعة حتى أطلق عليها "الوجبات السريعة" اختراعات تزامنت مع الحياة المدنية أو بعضنا يطلق عليها العصرية، أن تكون عصريا إذاً هو أن تستعجل.

Ad

تذكرت تلك الساعة التي اشترتها منذ سنين طويلة من معهد العالم العربي في باريس والتي لفتت نظرها بتلك العبارة "تعجل ببطء"، أعجبتها جداً، صارت هي شعارها لمرحلة طويلة أن تتعجل ولكن ببطء، كلٌّ يفسرها على هواه أو على ما يناسبه أو يتماشى مع رغباته.

يسرعون وكأنها نهاية العالم، يعملون في تسابق مع الزمن، وكأنهم سينقذون البشرية من الفقر والعوز والأمراض المستعصية، كلما كدسوا أموالاً قالوا هل من مزيد فيعملون ليل نهار يجرون خلف الأصفار المتتالية يزيدونها، وكأنها ستجلب معها سعادة وراحة لا مثيل لهما، ثم عندما تحل كارثة ما يعودون إلى ربهم ويطلبون أن يأخذ كل أموالهم مقابل أن تنتهي الأزمة، وما هي إلا لحظات ليعودوا إلى الجري سريعا.

تعدو الأيام سريعا، تنتقل الأرقام على صفحات الأجندات، ما إن يحتفل العالم بنهاية عام حتى تبدأ الاستعدادات لعام قادم، ما إن يحل رمضان بمسلسلاته حتى يكرر الإعلام: عاد الممثلون في معظمهم هم أنفسهم أو أنفسهن إلى الاستديوهات استعدادا لموسم رمضان القادم، حيث أصبح مصاحباً أو رديفاً للمسلسلات، ولا أحد قادر على معرفة السببب "فما علاقة الصيام والعبادة بالدراما؟".

تصل مدينة ما تلتقي بكثير من الأصدقاء بالمصادفة، تتواعدون على اللقاء على وجبة من العشاء، تمضي الأشهر بأيامها ولياليها وتلك الوجبة لم تحضر، تلتقي بهم في وسط شارع يعج بالراكضين خلف المواعيد المكتظة، فتتحول الرغبة الحقيقية في الكثير من الأحيان إلى لقاء على كوب من القهوة تفاديا للإحراج.

تنتهي الزيارة ولا تحضر القهوة في صحبة الأصدقاء، والمعارف يرددون جميعا "آه كم تمضي الأيام سريعا"، وتردد أنت كم نحن لا ندرك قيمة اللحظة تلك التي قد لا تعود أبداً، لحظة من الصفاء، من التسامر في أمور الحياة، من تبادل الذكريات الجميلة، من الضحكة التي لا هدف خلفها أو مجاملة، من المحبة التي أصبحت نادرة جداً.

يتواعد بعضهم، يقول أحدهم سأزورك فلم نلتق منذ مدة طويلة، والسنون مضت والشعر شاب كثيراً وحل السكري والضغط لينهش في اللحم الحي، سقطت المواعيد في بحر الأيام المتلاطمة والأولويات التي في مجملها مرتبطة بذاك الشعار نفسه "عصر السرعة"، وزمن التكنولوجيا التي حلت مكان جلسات السمر وتجمعات الاسترخاء في حضن المودة الصافية.

يكتفي بعضهم بـ"الفيس تايم" أو يتابع أخبار أصدقائه بفضول أحيانا على "السنابشات"، وإذا كان ولا بد فأفضل وسيلة وأسهلها هي "الواتساب" أما أضعف الإيمان فهو أن تتابع أخبار أصدقائك على "فيسبوك". هذه حلت مكان المجالس والنوادي الثقافية والاجتماعية وجلوس الأصدقاء حول مائدة في مقهى شعبي يحتسون الشاي المسكر "السنجين" حيث هم من يقبضون على الزمن، وهم ملوك اللحظة وسلاطينها.

لا شيء يعكر صفو تلك اللحظة حتى لو كانت صامتة، فدفء القلوب ليس بحاجة إلى الكلمات والحديث، تتذكر ذاك الفيلم بالأسود والأبيض وحسين رياض يتحايل على زوجته المتسلطة في تلك المدينة الساحرة، أي بورسعيد كل ذلك من أجل التسلل إلى المقهى القريب، حيث يتحلق الأصدقاء حول مائدة متواضعة وأمامها لعبة "الطاولة" يتنافسون على من سينتصر، ويعلو صراخهم وكأنهم مراهقون في لحظة نشوة.

تعرف أن اللحظة لا تعود، يدرك هم ذلك أيضا، ومع ذلك يمكثون في جريهم، يسابق بعضهم بعضا، يتعلقون بقشور الحياة على حساب المشاعر الحقيقية. تتحول الحياة إلى مظهر وتنتفي منها حتى تسميتها، فمن لا يعش اللحظة كمن فقد الحياة.

* ينشر بالتزامن مع "الشروق" المصرية