اجتمعت الصحف كافةً على إعلان «فشل» القمة بين الرئيس دونالد ترامب والرئيس الكوري كيم يونغ أون في هانوي بفيتنام، من عناوين «نيويورك تايمز» و»واشنطن بوست» إلى نخب عالم السياسة الخارجية من كلا الحزبين، اتُّهم ترامب بسوء الممارسة الدبلوماسية، ولخّص ريتشارد هاس هذه المسألة بقوله: «أظهرت قمة هانوي مخاطر رئيس يُضفي على الدبلوماسية طابعاً شخصياً مبالغاً فيه». لو كانت هذه ورقة أخرى في الحرب السياسية بين ترامب ومعارضيه، لما علّقت عليها، ولكن بما أن برنامج كوريا الشمالية النووي قد يقود إلى سقوط قنبلة نووية على مدينة أميركية، تُعتبر جهود الحكومة لتفادي ذلك بالغة الأهمية، لذلك إليكم أربع نقاط أساسية استخلصتها:

Ad

الخلاصة الأولى:

ابتعد ترامب ووزير خارجيته مايك بومبيو، في مقاربتهما إلى كوريا الشمالية، كثيراً عن ممارسة واشنطن الدبلوماسية القائمة، ولعل أبرز ما يعلل سبب ذلك المثل الصيني: «إذا لم تبدّل اتجاهك، فقد ينتهي بك المطاف إلى نقطة الانطلاق». ماذا حدث خلال العقدين الماضيين عندما اتبعت ادارتَا أوباما أو جورج بوش الابن نصيحة مؤسسة السياسة الخارجية؟ واصلت مملكة الراهب الصغيرة المنعزلة اختبار أسلحة نووية، وتطوير صواريخ قد تعرّض جنود الولايات المتحدة وحلفائها في كوريا الجنوبية واليابان لخطر هذه الأسلحة، وإنتاج ترسانة تضم نحو ستين رأساً نووياً، وبلوغ عتبة القدرة على إيصال صواريخ بالستية عابرة للقارات مزودة برؤوس نووية إلى الأراضي الأميركية.

وأصاب ترامب وبومبيو عندما اعتبرَا هذا إخفاقاً أميركياً.

الخلاصة الثانية:

في المقابل استندت إدارة ترامب إلى فصل من كتاب مناورات رونالد ريغان في تعامله مع ميخائيل غورباتشوف، علماً أن هذا الكتاب أزال كل القوى النووية السوفياتية المتوسطة المدى وسرّع انهيار الاتحاد السوفياتي. في حالة ريغان، لم يكن الهدف الرئيس المسائل التي كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي يتفاوضان بشأنها، مثل عدد الرؤوس النووية، والصواريخ، وغيرها. كان الهدف عقل حاكم مستبد ظن أن بإمكانه إقناعه بمحاولة تغيير بلده بالكامل.

الخلاصة الثالثة:

لنفهم ترامب وكيم في هانوي، علينا أن نتذكّر ريغان وغورباتشوف في ريكيافيك، ففي عام 1986 دفع ما وصفه ريغان برسالة «جميلة» من غورباتشوف الرئيس الأميركي إلى إعلان بدون سابق إنذار عقد قمة من يومين في مكان بعيد في آيسلندا (للاطلاع على نص الرسالة الكامل وغيرها من الوثائق التي رُفعت عنها السرية، راجع «ملف ريكيافيك»). التقى ريغان غورباتشوف وحده طوال ساعة قبل أن يدعو هذان القائدان مستشاريهما لجولة تالية من المفاوضات، ولكن عندما اتضح أن ثمة اختلافات جوهرية في مواقفهما «انسحب» ريغان من دون التوصل إلى اتفاق.

خانته الصحف وأعلنت أن القمة فشلت، لكن وزير خارجية ريغان آنذاك، جورج شولتز، ذكر: «اقتربت قمة ريكيافيك على نحو غير متوقع من عقد اتفاق طموح على نحو غير متوقع»، لم يكن ذلك اللقاء فاشلاً، إنما مثّل فرصة بالغة الأهمية كي يفهم كلا الطرفين الأهداف الرئيسة التي يسعى إليها كل منهما.

لكن ما اعتبرته نخب عالم السياسة الخارجية من كلا الحزبين إخفاقاً مهّد بالتأكيد الدرب أمام ما حدث بعد سنة حين وقّع غورباتشوف معاهدة القوى النووية المتوسطة المدى التي أزالت كل صواريخ الاتحاد السوفياتي النووية المتوسطة المدى. وعندما أوضح غورباتشوف استعداده للقيام بذلك، أرجع الفضل إلى قمة ريكيافيك «لأنها أعطت زجماً لهذا الخفض بإعادة التشديد على رؤية عالم خالٍ من الأسلحة النووية ومهدت الطريق أمام اتفاقات ملموسة».

الخلاصة الرابعة:

لنتأمل في اختيار ترامب هانوي وسنغافورة الربيع الماضي كموقعين لقمتيه مع كيم يونغ أون. إذا كانت غايته تحريك مخيلة هذا القائد عن الأمم الأكثر فقراً وانعزالاً على الأرض، فمن الصعب التفكير في موقع أفضل.

قبل خمس وخمسين سنة فقط، كانت الولايات المتحدة تخوض حرباً مع فيتنام، في حين كانت سنغافورة مرفأ فقيراً يستشري فيه الفساد، ولا شك أن كل هذا يذكّر بكوريا الشمالية اليوم، لكن هاتين الدولتين نجحتا، رغم قيادتيهما المستبدتين، في تبني سحر اقتصادات السوق واندمجتا في السوق العالمية لتتحولا إلى محورين اقتصاديين ناشطين.

لا شك أن كيم فهم هذه الرسالة.

إذاً، عندما نضع القمة في إطارها الأشمل، تخطر على بالي مقولة صينية: «مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة». صحيح أن الدرب نحو نزع الأسلحة النووية طويل، إلا أنني واثق كل الثقة بأن التاريخ سيذكر قمة هانوي كخطوة مهمة على هذا الدرب.

* غراهام أليسون

*«ناشيونال إنترست»