قدم أهل القدس وشبابها بفتح مصلى وباب الرحمة، وكذلك أهل الخليل في مسيرة شارع الشهداء يوم الجمعة الماضي، النموذج الأرقى للفعل الفلسطيني المطلوب في مواجهة الضغوط والوقاحة الإسرائيلية، نموذج المقاومة الشعبية القادرة على فرض إرادتها رغم أنف الاحتلال، وأثبتت الأحداث أن معركة المسجد الأقصى هي معركة القدس وكل فلسطين.

هذا ما يجب إدراكه في التعاطي مع ما قامت به حكومة إسرائيل ومؤسساتها من تصعيد لهجمة الابتزاز المالي ضد السلطة الفلسطينية بعد أن فشلت حملة الإدارة الأميركية بقطع المساعدات المالية عن وكالة الأونروا وعن المؤسسات الفلسطينية في كسر الموقف الفلسطيني برفض التعاطي بما يسمى "صفقة القرن".

Ad

ولا يمكن تجاهل السياق العام لعملية الضغوط الجارية على الشعب الفلسطيني، بهدف كسر مقاومته لمحاولات تصفية قضيته الوطنية، فالحملة بدأت بنقل السفارة الأميركية للقدس والاعتراف بها عاصمة لإسرائيل في مخالفة فجة وصارخة للقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

وتبع ذلك تسريبات متتالية لما ستتضمنه ما يسمى "صفقة القرن" من تصفية لحقوق اللاجئين إلى ضم المستوطنات، إلى استبدال القدس بأحياء خارجها كأبوديس، إلى تحويل فكرة الدولة الفلسطينية إلى كيانات مقطعة هزيلة تحت السيطرة الإسرائيلية، إلى فصل كامل ونهائي لقطاع غزة عن الضفة الغربية تمهيدا لابتلاع الأخيرة.

ثم تصاعدت الوعود بمساعدات مالية اقتصادية كبيرة، من أموال الدول العربية طبعا لا من جيب الولايات المتحدة، ثمنا للتنازل عن الحقوق الوطنية، وتبع ذلك قطع المساعدات الأميركية، ثم تمرير قانون جائر وقرار باقتطاع نصف مليار شيكل من أموال دافعي الضرائب الفلسطينية في إطار حملة لقطع رواتب الأسرى وعائدات الشهداء، أرفقت بقرار آخر باقتطاع أموال أخرى لعملاء الاحتلال الذين خانوا وطنهم، واختتمت برفع قضايا بملايين الدولارات في المحاكم الإسرائيلية، بهدف دفع السلطة الفلسطينية نحو الإفلاس، وترافق ذلك مع تشديد الحصار الإسرائيلي الخانق على قطاع غزة.

القرصنة الإسرائيلية والاعتداء بالسرقة على أموال الشعب الفلسطيني، والإغراءات بمساعدات اقتصادية، ليست سوى تكرار بائس لنمط استخدام العصا والجزرة ضد شعب تمرس على الصمود والمقاومة في أعتى الظروف، والابتزاز المالي الذي أصبح السلاح الرئيس الذي يستخدم ضد الفلسطينيين يذكرنا بحملات مماثلة جرت في أوائل التسعينيات، كما يذكرنا بما جرى من احتجاز لمعظم أموال الضرائب التي يدفعها الشعب الفلسطيني أيام الانتفاضة الثانية وحصار الشهيد الراحل ياسر عرفات، وما تكرر من احتجاز شامل لأموال الفلسطينيين بعد الانتخابات التشريعية عام 2006.

كل هذا الابتزاز والقرصنة والضغوط ليس لها سوى هدف سياسي واحد، إجبار الفلسطينيين على الرضوخ والتعاطي مع صفقة التصفية لقضيتهم الوطنية، ولن يحدث ذلك، فلا الأقصى، ولا القدس، ولا فلسطين ولا حقوق اللاجئين قابلة للبيع أو المساومة.

لكن الرد على كل ما يجري يجب أن يكون حاسما بتنفيذ قرارات المجالس المركزية الفلسطينية، والإسراع في درء الخلافات الداخلية وتوحيد الصف الوطني، وإحكام إغلاق الباب أمام مشاريع التصفية السياسية التي تروج لها إسرائيل وأركان إدارة ترامب، وتصعيد المقاومة الشعبية الفاعلة التي رأينا نماذجها في المسجد الأقصى وشارع الشهداء والمغير يوم الجمعة الماضي، وبتوجيه رسالة مدوية وجلية للعالم بأسره: فلسطين ليست للبيع، وشعب فلسطين سيقاوم بكل وسيلة ممكنة محاولات تصفية حقوقه الوطنية.

* الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية