تُعد الميزانية الحكومية النهائية السابقة للانتخابات دلالة على أن الانتخابات العامة الهندية باتت وشيكة، وأن حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم يستعد لحملته الانتخابية، فحسب التقاليد، إنها "ميزانية مؤقتة"، وهي عبارة عن تغيير متواضع في النفقات لرؤية الحكومة خلال بضعة أشهر حتى يتم انتخاب حكومة جديدة وتضع ميزانيتها الخاصة، لكن، في إصدار ميزانيتها الأخيرة بداية فبراير، ذهبت حكومة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى أبعد من سابقاتها، من خلال تضمين مقترحات بعيدة المدى لتقديم تنازلات ضريبية وهبات.

تكشف الميزانية عن ثلاثة أشياء:

Ad

أولاً، لم يفقد حزب بهاراتيا جاناتا موهبته في تقديم الوعود التي لا يمكنه الوفاء بها.

ثانياً، ستحاول الحكومة تقديم نداء في اللحظة الأخيرة إلى كل الدوائر الانتخابية التي فشلت فيها خلال سنواتها الخمس في السلطة.

ثالثاً، لا يزال فريق مودي لا يدرك أهم التحديات التي تواجه البلاد.

كانت أهم إعلانات وزير المالية المؤقت بيوش جويال بمثابة خطة دعم الدخل الأساسي للمزارعين، والتي تنبأ بها كل محلل تقريبا، لكن اتضح أنه عرض مبلغا إجماليا قدره 6000 روبية (نحو 84 دولاراً) في السنة- 500 روبية فقط في الشهر- على شريحة من المجتمع كان أعضاؤها ينتحرون بأعداد قياسية، فهل سيجد المزارع الذي يعاني اليأس المعيشي ارتياحاً بمقدار 500 روبية؟ وهل يأتي الخلاص له على شكل 16.5 روبية (23 دولاراً) في اليوم؟

لقد أضاعت حكومة الهند فرصة للارتقاء إلى مستوى التحدي الذي يطرحه رئيس حزب المؤتمر راهول غاندي من أجل ضمان حد أدنى من الدخل الذي من شأنه أن يوفر فعليا أجرا مريحا لأفقر فقراء الهند، بما في ذلك تقديم بعض الإعانات الحالية، والأسوأ من ذلك هذه الإعانات ستذهب إلى مزارعي الأراضي الذين يمتلكون هكتارين من الحقول أو أقل فقط، وليس إلى الفلاحين أو العمال الزراعيين الذين لا يملكون أرضاً، أو إلى فقراء الحضر على الإطلاق.

وبالرغم من أن المخطط لن يحدث أي تغيير في حياة المستفيدين، فإنه سيتم توفيره على ثلاث دفعات متساوية تبدأ على الفور.

بعبارة أخرى سيسمح ذلك للحكومة بتحويل 2000 روبية من أموال دافعي الضرائب إلى حساب مصرفي لكل مزارع في الوقت المناسب للوصول إليها قبل انتخابات لوك سابها، يمكن للمرء كذلك تسمية برنامج دعم رئيس الوزراء لإعادة الانتخابات.

الإعلان الرئيسي الآخر يخص مضاعفة الإعفاء الضريبي لدافعي الضرائب من الطبقة المتوسطة الدنيا إلى 500000 روبية (7000 دولار) من الدخل السنوي، وهذه المبادرة المتأخرة مرحب بها بالفعل، وبشكل خاص من حكومة كانت تنهب بشكل منتظم جيوب الطبقة الوسطى بمجموعة من التدابير، تتراوح من 20 روبية لكل لتر ضريبة على البنزين إلى بضائع عالية بشكل غير معقول، وضريبة الخدمات (GST) على سلع المستهلك الأساسية.

لكن هذه الإجراءات طغى عليها إغفال جويال المذهل: الوظائف، فأزمة البطالة في الهند هي المشكلة الأولى التي رفض مدير ميناجيري رؤيتها.

لقد أوقع حزب بهاراتيا جاناتا الهند في أزمة الوظائف، إذ إن تعديل مودي المتهور وغير المدروس (الذي ألغى الأوراق النقدية التي تبلغ قيمتها ما بين 500 و1000 روبية في محاولة لتقليص الاقتصاد الأسود)، وقرار GST الفاشل والمتسرع، وخمس سنوات من الحتمية الاقتصادية الكلية سلبت الهند الملايين من فرص العمل، فقد وعد مودي خلال حملته الانتخابية عام 2014 بخلق 20 مليون وظيفة في السنة، وبدلا من ذلك فُقد 11 مليون وظيفة في العام الماضي (وفقا لمركز مراقبة الاقتصاد الهندي)، أو أكثر تحفظا، 3.5 ملايين في غضون عامين (وفقا لجميع مصنّعي الهند).

حاولت حكومة مودي منع الأرقام الرسمية التي تكشف عن معدل البطالة 6.1 في المئة، وهو أعلى معدل خلال 45 سنة، والأسوأ من ذلك أن بطالة الشباب بين الذكور في المناطق الحضرية الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة هي 18.7 في المئة، وقد انهارت بين الإناث بنسبة مذهلة بلغت 27.2 في المئة، وارتفع معدل البطالة بين الذكور في المناطق الريفية بين 15 و29 من 5 في المئة في 2011- 2012 إلى 17.4 في المئة في الفترة 2017- 2018، بدلاً من التعامل بفعالية مع مشكلة توظيف الشباب في الهند، كما وعد به مودي في حملته لعام 2014، جعلت حكومته الأمر أسوأ من أي وقت مضى.

كان المعجبون الأجانب بمودي يعتقدون أنه يمثل أفضل أمل للهند في الإصلاح الاقتصادي، راغبين في التغاضي عن سجل حكومته المشين بقمع الأقليات والتسامح تجاه الظاهرة الغريبة "لجوء الأبقار" (التي اعتدى فيها محتجون بوحشية على المدنيين الأبرياء باسم حماية البقر). تحدث مودى عن لعبة جيدة، وتعهد بإعادة هيكلة الاقتصاد السياسي للهند، وإزالة اليد الميتة للنظام الذي يخنق القطاع الخاص، وزيادة الإنتاجية، وهذه الميزانية هي المسمار الأخير في النعش لتلك الآمال.

كما أعلن مودي في إحدى المرات أنه "لم يكن لدى الحكومة أي عمل تجاري"، قبل أن يخفق في السنوات الخمس المقبلة في إخراج الحكومة من أي عمل تجاري كان، من إدارة الفنادق وشركات الطيران إلى تصنيع السلع الاستهلاكية، وباستثناء حفنة من الرأسماليين المحبوبين الذين يمولون حزب بهاراتيا جاناتا، يشعر القطاع الخاص بالإحباط، ويوجد الاستثمار في حالة ركود، والفساد متفش (نموذج أكبر صفقة دفاعية في الهند، والتي تشمل شراء 36 طائرة مقاتلة فرنسية من طراز رافائيل). لم يعد أحد يعتقد أن البيانات الرسمية موثوقة بعد استقالة اثنين من كبار الإحصائيين الثلاثة في الحكومة احتجاجا على محاولات مودي التلاعب بالأرقام، حتى مودي نفسه لم يعد يتحدث عن الإصلاح.

هذا هو السبب في أن المبادرات والهبات في هذه الميزانية ضرورية، لأنهم يسعون إلى إخفاء فشل حكومة مودي الشامل في إدارة الاقتصاد الهندي من خلال استرضاء قطاعات المجتمع هذه، من المزارعين إلى الطبقة الوسطى، الأكثر تضرراً من سوء التدبير، ويبقى أن نرى ما إذا كان الناخبون الهنود سينخدعون بسهولة كما يأمل مودي.

* نائب الأمين العام السابق للأمم المتحدة ووزير الدولة الهندي السابق للشؤون الخارجية ووزير الدولة لتنمية الموارد البشرية، وحالياً رئيس اللجنة الدائمة للبرلمان المعنية بالشؤون الخارجية ونائب عن المؤتمر الوطني الهندي.

«من شاشي ثارور»