أحد النزاعات المهلكة في العالم هو نوع لم يسمع الكثير من البشر بوجوده، وساحة معركة هذا النزاع هي منطقة خصبة تمتد إلى وسط نيجيريا، وقد أسفرت المعارك بين مجموعتين هناك عن مقتل أكثر من 10 آلاف شخص في العقد الماضي وقتل نحو 4000 شخص في العامين الماضيين فقط.

ويقع الاشتباك بشكل رئيس بين مزارعين ومربي أبقار في الحزام الأوسط في نيجيريا، حيث تحولت المنافسة على المياه والأرض إلى سمة مهلكة في بيئة شبه خالية من العقاب.

Ad

ويطغى مصدر العنف المختلف في نيجيريا على بوكو حرام، وهي منظمة إرهابية تنشط في الشمال الشرقي من البلاد، ولكن بحسب مجموعة الأزمة الدولية فإن النزاع بين طرفي النزاع من المزارعين ومربي الأبقار كان في العام الماضي أكثر تدميراً بنحو 6 مرات من عمليات بوكو حرام مع وصول عدد الضحايا الى 1949 قتيلاً، أي نحو ضعف عدد السنة التي خلت.

ولم تحتفظ الحكومة النيجيرية بأرقام رسمية عن النزاع، كما أن بعض المسؤولين جعلوا الأمور أكثر سوءاً نتيجة توجيه اللوم الى الجانبين بسبب ارتكاب عمليات قتل قبل إجراء تحقيقات موثوقة، ويستخدم الكثير من السياسيين هذا النزاع من أجل استغلال الانقسامات الاجتماعية لأغراض سياسية، وخاصة في فترة الانتخابات المقررة في هذا الشهر.

وتتطلب الحاجة وجود قيادة سياسية أفضل، كما يتعين على الحكومة معالجة أسباب النزاع من خلال إصلاح ممارسات إدارة المواشي وتحسين سياسات الزراعة، إضافة الى تحسين آلية حل النزاع والتحقيق في الهجمات ومحاكمة المجرمين.

حروب الموارد

يشكل الحزام الأوسط في نيجيريا سلة الخبز في ذلك البلد، وهو موطن لما بين 50 و100 مجموعة عرقية صغيرة، كما أن المزارعين في هذه المنطقة من مالكي الأرض في أغلب الأحيان ومن مجموعات عرقية أكبر مثل بيروم وجاكونس وتيفز وايدوماس ومامبيلا ونياندان. وطوال عقود سافر مربو الماشية الرحل ومعظمهم من الشمال ومن فيلاني الى الحزام الأوسط لرعي الماشية خلال موسم الجفاف الذي يمتد من نوفمبر حتى يونيو بشكل تقريبي. ويعمل المزارعون ومربو الماشية بسلام نسبي، وعندما تقع النزاعات في بعض الأحيان بين مجموعتين تتم معالجة الوضع عن طريق الوساطة المحلية.

تغير المناخ

ولكن تغير المناخ في العقد الماضي أفضى الى تصحر، وهو ما تسبب في تقليص إمداد نيجيريا من المياه والأرض الزراعية، في حين تسبب نمو السكان في زيادة الطلب عليهما، وتقدر منظمة الحفاظ على البيئة في نيجيريا وهي واحدة من أبرز المنظمات البيئية في ذلك البلد أن نيجيريا تفقد نحو 350 ألف هكتار من الأرض في كل سنة، كما تتقلص موارد المياه، وعلى سبيل المثال فإن بحيرة تشاد تقلصت بما يصل الى 90 في المئة منذ ستينيات القرن الماضي، ويضاف الى ذلك أن الإفراط في الرعي في سهل مامبيلا تسبب في تدمير الأرض الزراعية المتوافرة، كما أن المستوطنات البشرية في الحزام الأوسط تتوسع والصناعات الكثيفة مثل اللحوم قد توسعت من أجل تلبية الطلب الناجم عن السكان الأكبر والأكثر ثراء.

هذا التحول الذي لم تتمكن نيجيريا من إدارته بشكل فعلي تسبب في حدوث نزاعات عنيفة حول الموارد، كما أن النزاعات تحدث في أغلب الأحيان بسبب سوء فهم بين المزارعين ومربي الماشية، والتي تقع– على سبيل المثال– عندما تدخل الماشية الى أرض زراعية بقصد الرعي وتدمر المحاصيل بصورة غير مقصودة، وتفضي مثل هذه الحوادث الى عمليات انتقامية من قبل مجتمعات المزارعين على شكل القضاء على الماشية، ويفضي هذا الى انتقام من نوع آخر: يطالب مربو الماشية بتعويضات أو يقومون بعمليات هجوم مفاجئة على مجتمعات المزارعين في وقت متأخر من الليل، ويفضي ذلك الى قتل نساء وأطفال أبرياء.

وعندما تسفر الاشتباكات عن عنف لا توجد محاسبة للفاعلين، كما أن الحكومة التي استجابت لانتقادات في تقرير صدر في شهر ديسمبر الماضي من قبل منظمة العفو الدولية تدعي محاكمة 843 شخصاً بتهمة ارتكابهم جرائم قتل، ولكن هذه المعلومات ليست موثوقة، إضافة الى أن الكثير من الأشخاص الذين تأثروا يشعرون بأن العدالة لم تتحقق، مما يدفع أعضاء المجموعتين الى تطبيق العدالة بأيديهم من خلال الانتقام، وليست لدى سكان نيجيريا ثقة في الحكومة كي تتدخل بصورة فعالة بسبب فشلها في القيام بهذا العمل حتى الآن وللقناعة بأن الحكومة منحازة الى جانب مربي الماشية.

كانت التكلفة مدمرة تماماً، وإضافة إلى الأرواح التي فقدت تم تهجير الآلاف من السكان الى مناطق أخرى من البلاد، وتوقفت الدراسة بالنسبة الى آلاف التلاميذ أيضاً، وتضررت الزراعة بشكل سيئ للغاية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية الى جانب معدلات الفقر والجوع، وتلوح في الأفق الآن مؤشرات على أزمة غذاء تشمل شتى أنحاء البلاد، وما يزيد الوضع خشية الكثير من السكان هو أن تكون منظمة بوكو حرام قد تغلغلت الى النزاع وسوف تستغله من أجل إلحاق مزيد من الخراب في نيجيريا.

فشل الحكومة

لقد فشلت الحكومة في العمل مع المزارعين ومربي الماشية من أجل حل النزاعات أو علاج الأسباب الأساسية للنزاع بينهما، واتهم بعض أعضاء المجتمعات المتأثرة الحكومة بالتحيز، أو بما هو أسوأ من ذلك، وهو حشد العنف من أجل تحقيق مكاسب سياسية، وفي عام 2018 اتهم وزير الدفاع السابق من ولاية تارابا الجيش بحماية القتلة ودعا الأقليات العرقية الى الثورة وحماية نفسها، كما اتهم بعض قادة تيف أن الجيش النيجيري وفر غطاء للقتلة كي يسيطروا على منطقة تيف.

من جهة أخرى لا تتوقف الضغوط البيئية على مربي الماشية عند حدود نيجيريا، وقد سمح ضعف الأمن بتدفق كميات كبيرة من الأسلحة المهربة، وتسليح مربي الماشية عن طريق دول مجاورة مثل الكاميرون والنيجر، وبحسب مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة يوجد 300 مليون قطعة سلاح مهربة في نيجيريا التي تحتاج الى تشديد حماية حدودها، وتطوير نظام أفضل من أجل التخلص من الأسلحة المهربة، وسيتطلب ذلك سياسة جريئة مع استخبارات أكثر تعقيداً لجمع المعلومات، ولن تتمكن الوكالات الأمنية من العمل بفعالية الى أن تقوم ببناء مزيد من الثقة بين المجتمعات التي تعمل فيها.

وحدثت بعض إشارات التقدم على أي حال، ففي شهر يونيو من عام 2018 قدمت الحكومة أخيراً أول استراتيجية شاملة لإدارة الدواجن تقوم عل 6 أعمدة.

والجدير بالذكر أن الحزام الأوسط في نيجيريا يطرح على خلفية أوسع من الغليان السياسي والضغط الاقتصادي، ولا يثق الكثير من سكان نيجيريا بالحكومة، ويرون أنها فشلت في معالجة العنف والفساد والفقر في البلاد.

يودو جود إيلو