أصبح من الشائع وصف سياسة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخارجية بأنه لا يمكن التنبؤ بها، ولكن هذا العمل يسيء الى تصرف هذا الرجل وسياسته، ففي حقيقة الأمر وعلى الرغم من أن تصرفات ترامب قد تكون صادمة في أغلب الأحيان يندر أن تكون مفاجئة، ومواقفه الأكثر إثارة للجدل– مثل التشكيك في دور حلف شمال الأطلسي والسعي الى الانسحاب من سورية– وبدء حرب تجارية تتماشى كلها مع وجهة نظر العالم التي طرحها علانية منذ ثمانينيات القرن الماضي.

ونشأت حالة عدم التنبؤ في هذه الإدارة ليس من خلال وجهة نظر ترامب، بل نتيجة الصراع بين الرئيس ومستشاريه السياسيين من جهة ومؤسسة الأمن القومي من جهة أخرى، وحتى وقت قريب تسابق هذان المعسكران على السيادة وكان من الصعب معرفة أي منهما سوف يتفوق في أي قضية.

Ad

وبعد مرور عامين أصبح من الواضح الآن أن الرئيس يهيمن في هذا السباق حتى مع عدم قدرته على الفوز بين عشية وضحاها حتى الآن، ولأول مرة كان من الممكن تحديد سياسة خارجية لإدارة ترامب نتيجة التفاف فريقه حول أفكاره، وتتألف هذه السياسة من علاقات ضيقة مع دول أخرى وتفضيل حكومات مطلقة على ديمقراطيات أخرى وهو أسلوب نحو سياسة اقتصادية دولية تستخف بشكل عام بحقوق الإنسان وحكم القانون وتحسين الأفكار الوطنية والسياسة الفردية على حساب التعددية.

وعلى الرغم من تغيير ترامب لرأيه حول الكثير من القضايا فإن لديه غرائز سياسة خارجية واضحة ومتناسقة تعود الى ثلاثة عقود خلت، وكان رفض منذ وقت طويل التحالفات الأمنية الأميركية على اعتبار أنها مجحفة بحقوق دافعي الضرائب، واتهم الحلفاء بدفع واشنطن الى الدفاع عنهم بصورة مجانية. كما أنه اعتبر منذ وقت طويل أيضاً أن العجز التجاري يشكل تهديداً للمصالح الأميركية ورفض بشكل فعلي كل الاتفاقات التجارية التي تفاوضت الولايات المتحدة حولها منذ الحرب العالمية الثانية.

ولدى ترامب تاريخ في الإعراب عن إعجابه بالرجال الأقوياء حول العالم: وفي عام 1990 على سبيل المثال اشتكى في مقابلة من أن الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف لم يقمع المتظاهرين كما فعلت بكين في ساحة تيانانمن قبل عام واحد.

وخلال حملته الانتخابية لم يكتف ترامب برفض تلك الخطوات، بل إنه عمد الى مضاعفتها أيضاً، وطرح تساوياً معنوياً بين الكرملين في عهد الرئيس فلاديمير بوتين والحكومة الأميركية، وانتقد حلف شمال الأطلسي وأشاد بقسوة الرئيس العراقي السابق صدام حسين ضد الإرهابيين ووصول الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ اون الى السلطة، كما عارض التجارة الحرة. ولدى ترامب مواقف في السياسة الخارجية تتسم بتأثيرات فورية ومستمرة دفعت العشرات من خبراء السياسة الخارجية في الحزب الجمهوري الى التنديد به علانية.

الإدارة الأميركية في مرحلتين

كانت المرحلة الأولى من فترة وجود ترامب في البيت الأبيض قد استمرت منذ تتويجه حتى شهر أغسطس من عام 2017، وخلال هذه الشهور السبعة قال ترامب إنه قام بالكثير من الأعمال المثيرة للجدل، فقد رفض المصادقة على المادة الخامسة من حلف شمال الأطلسي خلال إلقاء كلمة له في مقر الحلف في بروكسل وأعلن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس حول تغير المناخ، ولكن ترامب لم ينسحب من اتفاقية التجارة الحرة في أميركا الشمالية، وتقرب من الحلفاء الآسيويين.

وبعد وقت قصير على أي حال بدأ الرئيس بالرد على مستشاريه، وفي منتصف شهر يوليو من عام 2017 اشتكى بمرارة من اضطراره الى تقديم إعفاء جديد على شكل جزء من خطة العمل الشاملة المشتركة وأنحى باللائمة على مستشاريه لأنهم لم يقدموا له خيارات انسحاب، وبعد عدة أسابيع وفي اجتماع انعقد في كامب ديفيد لتقرير السياسة المتعلقة بأفغانستان شعر ترامب بقدر أكبر من الإحباط لأن ماكماستر شدد على ضرورة إبقاء القوات الأميركية في ذلك البلد، وقد استجاب بمرارة لكنه كشف عن استيائه من تلك الخطوة.

وبحلول خريف عام 2017 بدأت المرحلة الثانية من السياسة الخارجية للرئيس الأميركي– التي تقضي بعمل أحادي الجانب– وفي تلك الفترة التي تستمر حتى يومنا هذا حاول ترامب تخطي العمل الرسمي التقليدي في قراراته وأوضح ما يفضله في هذا الصدد. وفي شهر ديسمبر من عام 2017 ورغم اعتراض فريقه أعلن أنه سينقل السفارة الأميركية في إسرائيل الى القدس، وفي شهر مايو من العام الماضي أعلن انسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، كما فرض تعرفات على الأصدقاء والمنافسين على حد سواء. وقد جدد انتقاده لحلف شمال الأطلسي في قمة بروكسل عام 2018 ودفع بقوة من أجل سحب القوات الأميركية من سورية، ولعل الجانب اللافت كان قراره بعقد اجتماع مع الزعيم الكوري الشمالي في سنغافورة من دون التشاور مع حكومته كما قرر الاجتماع مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في هلسنكي وعارض نصيحة مستشاريه إزاء عقد مؤتمر صحافي في تلك القمة.

سياسة خارجية موحدة

حدد أول عامين صورة الصراع بين الرئيس وفريقه، وعلى الرغم من وجود فجوة كبيرة بين الجانبين يوجد الآن تعاون واضح أيضاً، ولأول مرة يستطيع المراقبون ملاحظة سياسة خارجية موحدة غير مكتملة تقضي باستيعاب رغبات الرئيس والعمل في ضوئها.

هذه السياسة الخارجية الموحدة هي التي لا تشتمل على أعداء دائمين ولا أصدقاء دائمين بالنسبة الى ادارة ترامب وهي تنطوي على أسلوب عملي مع كل الدول، وتولي القليل من الأهمية للعلاقات التاريخية، كما تسعى الى فوائد فورية تراوح بين التجارة والدعم الدبلوماسي. ونتيجة لذلك أصبحت الحكومات المطلقة أكثر استعداداً لعرض تنازلات سريعة الى الولايات المتحدة جعلت إدارة ترامب تشعر أن من الأسهل التعاون مع تلك الحكومات وليس مع الأنظمة الديمقراطية.

وتختلف سياسة ترامب إزاء أوروبا وفقاً للمنطقة، وتتعامل الادارة من دون شروط مع أوروبا الوسطى والشرقية حيث تقدم واشنطن دعماً سياسياً للحاكم المجري المستبد فيكتور أوربان وتعمل على زيادة صادرات الغاز الطبيعي المسال لمواجهة النفوذ الروسي. وفي المقابل كانت أجندتها إزاء أوروبا الغربية أكثر عداء، ويبدو أنها تتكون فقط من نقاط اختلاف بما في ذلك معارضة خط أنابيب السيل الشمالي 2 والتجارة الحرة مع أوروبا والإنفاق الدفاعي على حلف شمال الأطلسي إضافة الى الاختلاف مع الاتحاد الأوروبي حول إيران.

وتستمر الخلافات بين ترامب وفريقه، والمثل البارز في هذا السياق يكمن في السياسة الأميركية إزاء الشرق الأوسط. ويتفق ترامب وفريقه على اتخاذ موقف متشدد ضد إيران، ولكن الرئيس متردد بشدة إزاء التزام الولايات المتحدة بإضعاف النفوذ الإيراني في سورية، ومن وجهة نظره فإن جهود الولايات المتحدة يجب أن تقتصر على دعم الحلفاء في أي عمل يرونه مناسباً من أجل مواجهة إيران وفرض عقوبات عليها والانسحاب من خطة العمل المشتركة الشاملة. وهذه قضية تحدث فيها فريق الرئيس الحالي في بيانات عن تناقض مع الرئيس، وعلى سبيل المثال قال جون بولتون خلال جولة له في الشرق الأوسط إن القوات الأميركية لن تنسحب من سورية إلا بعد إلحاق هزيمة تامة بتنظيم داعش مع ضمان حماية للأكراد، وبصورة عامة يمكن القول إن سياسة ترامب الخارجية موحدة بقدر أكبر من أي وقت مضى.

* ● توماس رايت