رضينا أو لم نرض، اليوم أو غداً، لن تجد السلطة حلاً لأزمة زيادة العجز في ميزانية الدولة غير البصم على توصيات صندوق النقد، العجز اليوم يبلغ 7 مليارات دينار، وسيزيد بمعدلات كبيرة مع سياسة هذه الحكومة ومجلسها، وأسعار النفط في "أيامنا الحلوة" لن تعود أبداً كما كانت، ولو في الأحلام.

صندوق النقد بوصفاته المعروفة يطالب دائماً بخفض الإنفاق وزيادة الإيرادات غير النفطية، ودائماً الباب الأول من الميزانية (الأجور)، الذي يستهلك معظم إيرادات الدولة، هو محل عين الصندوق، ومعه الدعم (دعم الوقود والخدمات العامة) الذي تقدمه الدولة، وإصلاح الاثنين، إن لم يكن فوق قدرات حكومة قص الأشرطة وتوزيع الابتسامات للكاميرات، فهو أيضاً النار التي ستشعل الغضب الشعبي، إذا تم المساس به، حتى باب كوادر الرواتب الخيالية التي شرعت بكل "عبط" اقتصادي يستحيل الاقتراب منها.

Ad

لا جديد في وصفة الصندوق، ومهما قلنا إنها تميل للأثرياء ويدفع تكلفتها متوسطو ومحدودو الدخول، وهي مثيرة للقلاقل والتمردات الاجتماعية، إلا أن الخضوع لها أمر لا يمكن تجنبه في نهاية الأمر. وسواء، استطاعت السلطة بتر الفساد الذي يهدر مليارات الدنانير (طبعاً في الأوهام)، أو أوقفت القروض والمساعدات للدول الأجنبية، فكلا الأمرين لن يحل مشكلة الغد المظلم لأبنائنا.

الإصلاحات الجزئية التي ذكرها الصندوق وقامت بها الحكومة مثل تحويل الإجراءات الإدارية إلى تعاملات إلكترونية، والتقليل التدريجي للدعوم كلها "ترقيعات" مؤقتة لن تجدي في النهاية، ولا يختلف الأمر في المراهنة على القطاع الخاص بصورة مجملة في تحمل عبء التخفيف عن الباب الأول، فهو في دولة الريع، تابع لإنفاق القطاع العام، وأصحابه هم القطط السمان.

في مثل هذه الظروف، على السلطة أن تنظر بجدية أكثر لمشروع الجزر وطريق الحرير كمورد محتمل رديف للدخل العام. قد يبدو هذا الحديث غريباً ومستهجناً، فهي السلطة ذاتها التي طرحته بداية، فكيف نطلب منها الجدية في تقبله؟! السبب للعارفين ببواطن الأمور أن عدداً من رموز السلطة وجدوا في المشروع باباً للسخرية والإلهاء السياسي فيما بينهم، يرونه كما يصوره أبطال مسلسل درب الزلق لمشروع حسين في بيع لحم كلاب للسوق، وهذا محزن. أيضاً يفترض أن يبادر القائمون عليه بتوضيح الكثير من الأمور الغامضة في المشروع وإزالة ما يبدو متعارضاً فيه، ومثل ملاحظات النائب أسامة الشاهين في لقائه مع جريدة الراي يجب أن يُلتفت إليها.

ليس هناك ثمة خيارات مريحة لتحقيق موارد إضافية للدخل العام، وأمامنا حالة فنزويلا اليوم التي هي في الواقع أغنى من دولنا بثرواتها الطبيعية، فلنفكر بمسؤولية في هموم الغد القريب، قبل أن يبدأ أولادنا وبناتنا بالنباح.