مشاهد الفوضى وعدم المبالاة تحولت إلى ظاهرة طبيعية ولم تعد تحرك أي مشاعر عند المسؤولين، كما بات المواطن يكتفي بـ"التحلطم والتحوقل" المؤقت لينتهي دوره عند هذا الحد، ومن صور هذه المأساة مسخرة سوق المباركية الذي أصابه الشلل التام بسبب الإضراب على خلفية رفع الإيجارات بشكل خيالي في حين الحكومة ساكتة على عمرها كالعادة وكأن شيئاً لم يكن.

كتبنا في هذه الزاوية قبل أكثر من سنة عن الموضوع نفسه خلال الإضراب الأول وتعهدات سمو رئيس مجلس الوزراء لأصحاب المحال والأكشاك والبسطات لفتح محالهم مقابل معالجة الأمر، وقلنا وقتها إن وعود الحكومة مجرد إبرة بنج وبيع للوهم ولن تقوم بأي شيء يحمي حقوق الناس، وهذا ما نراه اليوم على أرض الواقع، الأمر الذي يتطلب معرفة السر وراء هذا التقاعس الحكومي.

Ad

قد يفسر البعض سكوت الحكومة بشأن سوق المباركية بخوفها أو محاباتها للتجار، وقد يعتبره البعض الآخر جزءاً من التخبط والتخلف الإداري، وهذه التبريرات بالتأكيد صحيحة ولكن بشكل جزئي وتعكس طبيعة الأداء الحكومي، لكن الحقيقة الكاملة في هذا الخصوص تكمن في مدى تغلغل أخطبوط الفساد في مختلف مرافق الدولة وأمام نظر الحكومة إن لم يكن بالتنسيق والتواطؤ من قبل بعض المسؤولين في الجهاز الحكومي نفسه.

فعلى سبيل المثال، كيف تجرؤ شركة تسلمت بموجب عقد مبرم مع الحكومة لإدارة وتشغيل وتطوير مرفق سوق المباركية أن ترفع إيجارات محال تجارية تابعة لأملاك الدولة؟ ومن أعطاها هذا الحق؟ ووفق أي سند قانوني يجوز لشركة خاصة أن تتدخل في سيادة الدولة وأموالها؟ فهل تعلم يا سمو رئيس مجلس الوزراء ومعالي وزير المالية أن عقد إدارة سوق المباركية يخضع لأحكام القانون رقم 105 لسنة 1980 باعتبار مدة سريانه لا تتجاوز (10) سنوات، وبموجب أحكام هذا القانون لا يجوز أن تقحم الشركة نفسها بمسألة الإيرادات؟

يبدو أن الحكومة النائمة في العسل ومجلس المعازيب أغمضوا عيونهم عن الشركات التي تدير المرافق الحكومية وفق قانون أملاك الدولة القصيرة المدى، يطبقون قانون الشراكة بين القطاع العام والقطاع الخاص رقم 116 لسنة 2014 المعروف بــ"ب ب ب" المخصص للمشاريع الاستراتيجية التي تمتد عقودها إلى 25 سنة؟ فاسألوا في ذلك ديوان المحاسبة وراجعوا تقارير الميزانية السنوية لتبيان هذا الأمر.

يمكن تفسير لغز سوق المباركية بأن مشاريع "ب ب ب" يطبق عليها قانون أملاك الدولة لأنها بين التجار والتجار حتى لا ترفع إيجاراتها، في حين بسطات المباركية، على الرغم من أنها عقود أملاك الدولة أقل من 10 سنوات فيطبق عليها قانون "ب ب ب" لأنها بين التجار وعوام الناس، لذلك الأكل منها يكون من "الشق للشق"، تمهيداً لتطفيش الفقراء وتحويل المباركية إلى مولات حديثة تدر عشرات الملايين.