في الجزء الأول من هذه الدراسة تناول الفقيه الدستوري المستشار شفيق إمام موضوع المادة (16) من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة، التي قضت المحكمة الدستورية بعدم دستوريتها في حكمها الصادر في ديسمبر الماضي، لمخالفتها أحكام الدستور، بما قد يوحي بزوال صلاحيات مجلس الأمة بالفصل في فقدان أعضائه لأي شرط من شروط العضوية.

وكان المستشار قد أجرى بحثاً مطولاً في هذه المسألة اختص به «الجريدة» في عددها الصادر في 11 نوفمبر الماضي، أكد فيه دستورية الأحكام الواردة في هذه المادة، ونفى أي شبهة عدم دستورية تشوب أحكامها لأنها جزء من منظومة كاملة لحصانات النواب، بل أهمها وأخطرها.

Ad

إلا أنه عقب صدور حكم المحكمة الدستورية المشار إليه، فقد رأى أن يفرد هذه الدراسة لاستكمال بحثه حول دستورية هذه المادة، والتي نشر الجزء الأول منها، أمس، لحصانة العضوية، والتي رأى فيها أن مجلس الامة لا يستمد اختصاصه بالفصل في فقدان أعضائه لشرط من شروط العضوية من المادة (16) من اللائحة التي قضت المحكمة الدستورية بعدم دستوريتها، بل من المادة (95) من الدستور، فيما تنص عليه من أنه «يفصل المجلس في صحة انتخاب أعضائه...».

وأن المحكمة الدستورية ذاتها قد استقرت في أحكامها في الطعون الانتخابية على مدار الفصول التشريعية السابقة بأن اختصاصها بالفصل في الطعون الانتخابية الذي تستمده من المادة (95) من الدستور يمتد إلى اختصاصها بالتحقق من توفر شروط العضوية في المطعون على صحة انتخابهم.

ثم أقرت في عام 2009 بأن مجلس الأمة بعد قيامها بالفصل في الطعون الانتخابية يستأثر بالفصل في صحة عضوية اعضائه، إعمالا للمادة (16) من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة.

لذلك، فإنه يجب أن يُحمل قضاء المحكمة الدستورية بعدم دستورية المادة (16) من اللائحة الداخلية، على ما جاء في أسباب الحكم من بطلان عضوية النائبين د. وليد الطبطبائي ود. جمعان الحربش، الذي وقع فيه المجلس بعدم إسقاط عضويتهما كأثر حتمي للحكم الصادر من محكمة التمييز بإدانتهما وعقابهما بعقوبة الجناية، وأن يبادر مجلس الأمة فورا الى اعلان خلو مقعدي النائبين... ويستكمل هذا البحث فيما يلي:

ثالثاً: الأسباب الموجبة للتطبيق الفوري للمادة (84)

فضلا عن أنه تنفيذا لحكم المحكمة الدستورية، والحكم القضائي بإدانة العضوين المذكورين، واحترام مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء وجوهره تنفيذ أحكام القضاء، فإن هناك في الأسباب الدستورية ما يدعو إلى المبادرة فورا بإعلان مجلس الأمة الموقر خلو المقعدين اللذين خليا بسقوط عضوية النائبين د. وليد الطبطباني ود. جمعان الحربش، ومن بينها:

1– عدم تعطيل حكم المادة (84) من الدستور:

فيما أوجبته على مجلس الأمة في وجوب الإعلان عن خلو محل أحد الأعضاء لتجرى الانتخابات لاختيار من يحل محله خلال شهرين من تاريخ هذا الإعلان.

وقد نهى الدستور في المادة (181) عن تعطيل أي حكم من أحكام الدستور، إلا أثناء قيام الأحكام العرفية، وقد استخدم الدستور في هذا الأمر «لا» الناهية، وهي أقوى الدلالات في الوجوب والالتزام، بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه».

وقد مضى على تأجيل إعلان خلو مقعدي النائبين د. وليد الطبطبائي ود. جمعان الحربش ما يقرب من ستة أشهر منذ صدور حكم محكمة التمييز بإدانة العضوين المذكورين في 19 يوليو الماضي، والذي يترتب عليه سقوط العضوية كأثر حتمي للعقوبة المقضي بها في هذا الحكم، وهي عقوبة جناية، وفقا لما قضى به حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية المادة (16) من اللائحة المشار إليها في اسبابه.

2– عدم الانتقاص من سيادة الأمة:

وقد اختار الدستور في المادة (6) نظاما ديمقراطيا للحكم في الكويت، السيادة فيه للأمة مصدر السلطات جميعا، وتكون ممارسة السيادة على الوجه المبين في الدستور.

حيث تقوم ممارسة هذه السيادة على حق الاقتراع العام في اختيار الشعب أعضاء مجلس الأمة الخمسين، وهو العدد الذي نصت المادة (50) من الدستور على تأليف المجلس منه، وهم من يمثلون الأمة صاحبة السيادة، لذلك فإن هذه السيادة تكون منقوصة، ولا تكتمل سيادة الأمة إلا بتمثيل كل الدوائر الانتخابية بكل عدد ممثليها في المجلس الموقر، خاصة أن النائب الواحد يمثل الأمة بأسرها طبقا لأحكام المادة (108) من الدستور، الأمر الذي ينطوي بقاء مقعدين خاليين في الدائرتين الثانية والثالثة بالمجلس على انتقاص لهذه السيادة، فضلا عن المخالفة لأحكام المادة (84) من الدستور.

3– ارتكاب فعل مؤثم جزائيا ومعاقبا عليه

ذلك أن امتناع مجلس الأمة عن تنفيذ حكم محكمة التمييز بإدانة العضوين المذكورين، وعقابهما بعقوبة الجناية، فيما تضمنه قانون الانتخاب من عقوبة تبعية تلحق بالعقوبة الأصلية، هي حرمانهما من حقوقهما السياسية، هذا الامتناع هو فعل مؤثم جزائيا ويعاقب قانون الجزاء عليه.

وما كان لعذر زال بزواله، فإذا كان المجلس قد حال بينه وبين هذا الاعلان، عدم توفر الاغلبية المتطلبة في تقرير إسقاط عضويتهما، فإن المحكمة الدستورية في هذا الحكم قد قضت في أسباب حكمها ببطلان عضويتهما لسقوط العضوية كأثر حتمي للحكم بإنزال عقوبة الجناية بحقهما في الحكم الصادر من محكمة التمييز.

وفي تراخي مجلس الأمة في هذا الإعلان، بعد زوال هذا العذر امتناع آخر عن تنفيذ حكم قضائي هو حكم الدستورية.

ولا أحد أيا كان بمأمن من المحاسبة والمساءلة حتى يأخذ القانون مجراه الطبيعي في خضوع الناس جميعا للقانون، كما قرر ذلك الحكم الصادر من المحكمة الدستورية موضوع هذه الدراسة.

4– النظام الدستوري والمسائل المستعجلة

حيث تتبوأ المسائل المستعجلة مكانها اللائق بها في الدستور، سواء في التشريع أو في الدور الرقابي للمجلس أو في المناقشات العامة.

فالتدابير التي لا تحتمل التأخير تخول السلطة التنفيذية في غياب مجلس الامة تقريرها بمراسيم بقوانين (المادة 71 من الدستور)، رغم الحظر المنصوص عليه في المادة (79) من أنه لا يصدر قانون إلا إذا أقره مجلس الأمة.

وتوجيه النظر إلى مراعاة أحكام الدستور ولائحة المجلس الداخلية في المادة (83) من هذه اللائحة هو أصل من أصول المناقشة في المجلس، له أولوية أولى على الموضوع الأصلي الذي ينـاقشه المجلس، ويترتب عليه وقف المناقشة فيه حتى يصدر المجلس قراره في شأن مخالفة الدستور أو اللائحة، بل إن مراعاة أحكام الدستور واللائحة لهما الأولوية على سائر الحالات التي نصت عليها المادة المذكورة والتي يؤذن فيها بالكلام دائما.

5 - التنظيم القضائي والمسائل المستعجلة

ويحضرنا في هذا السياق للاستهداء به، التنظيم القضائي الذي يتضمن أحكاماً خاصة للفصل في المسائل التي يخشى عليها من فوات الوقت، تقضي فيها المحاكم قبل الفصل في الموضوع الأصلي المطروح على المحكمة، وعليها أن ترجئ الفصل في الموضوع الأصلي حتى يستكمل الخصوم أوجه ادعاءاتهم ودفاعهم، وتصبح الخصومة ثمرة ناضجة للحكم فيها.

وغني عن البيان أن تنفيذ حكم المحكمة الدستورية، وفقا للمقصود منه، وقضاءه في الأسباب الجوهرية التي حفل بها الحكم، واعمال مقتضى هذا القضاء في أعمال أحكام المادة (84) من الدستور، واعلان خلو المقعدين المذكورين في الدائرتين الثانية والثالثة، هو التدبير الذي لا يحتمل التأخير والمسألة المستعجلة التي يخشى عليها من فوات الوقت، لعدم تعطيل أي نص من نصوص الدستور، وعدم الانتقاص من سيادة الأمة، فلهذا التدبير العاجل الأولوية على مناقشة أسباب الحكم والعوار الدستوري الذي كشف عنه تعديل تشريعي يقرر الضمانات الجدية لممارسة مجلس الأمة صلاحياته المنصوص عليها في المادتين 95 و16 من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة.

المبحث الثالث: رقابة المحكمة الدستورية حدودها ومداها

أولا: معضلة التوفيق بين سيادة الدستور وسيادة الأمة

المعادلة الصعبة في موضوع الرقابة على دستورية القوانين هي التوفيق بين المبدأ الديمقراطي الذي يقرر أن السيادة للأمة، مصدر السلطات جميعاً، وأن البرلمان هو الذي يمثل الأمة صاحبة السيادة، وبين مبدأ الدولة القانونية الذي يوجب خضوع الدولة للقانون، وأن الحاكم يخضع للقانون الذي يسنه إلى أن يعدله، كما يخضع للدستور، وهو أسمى من كل القوانين.

وقد عبر عن ذلك الدكتور ناثان براون مساعد عميد كلية آليوت للعلاقات الدولية في جامعة جورج واشنطن أصدق تعبير، حيث حدد العلاقة بين الديمقراطية والمبادئ الدستورية بقوله ان الديمقراطية تعني أن السيادة للبرلمان، وأن المبادئ الدستورية تعني أن السيادة للدستور، وأن الفكرة الأميركية تقوم على الدمج بين الاثنين بما توصلت إليه من ان الديمقراطية تحتاج إلى قيود دستورية لكي تمنع الاستبداد، وذلك في محاضرة ألقاها في ندوة أقامتها جمعية الخريجين الكويتية في 8 يناير سنة 1996 تحت «عنوان الديمقراطية والمبادئ الدستورية في العالم العربي».

ثانيا: سيادة القانون جوهر النظام الديمقراطي

وخضوع الدولة بجميع سلطاتها لمبدأ سيادة الدستور أصل مقرر وحكم لازم لكل نظام ديمقراطي سليم، ومن ثم يكون لزاماً على كل سلطة عامة أياً كانت وظيفتها وطبيعة الاختصاصات المسندة إليها، ولو كانت منتخبة من الأمة، مصدر السلطات جميعا، النزول عند قواعد الدستور ومبادئه والتزام حدوده وقيوده، فإن خالفتها أو تجاوزتها شاب عملها عيب مخالفة الدستور، الأمر الذي أصبحت معه الدساتير الحديثة تحرص على تقرير الرقابة على دستورية القوانين، وعلى أن «سيادة القانون أساس الحكم في الدولة» وعلى أن «تخضع الدولة للقانون».

ثالثاً: القيود الذاتية للمحكمة

لذلك كانت مراجعة المحاكم الدستورية لأعمال السلطة التشريعية، وهي سلطة منتخبة من الشعب، قد اقحمت هذه المحاكم الدستورية في الدرب الصعب الذي تخشاه أي رقابة قضائية، وهو اقحامها في صراع مع السلطة السياسية.

ولهذا حرصت المحاكم الدستورية في الدول التي تأخذ بالرقابة القضائية على دستورية القوانين، على ان تقيد ولايتها بمجموعة من المعايير منها، فيما ارسته المحكمة الدستورية في الكويت فيما يعنينا في هذا السياق قيود ثلاثة هي:

القيد الأول - قرينة الدستورية:

الأصل في النصوص التشريعية حملها على قرينة الدستورية... لا يجوز التصدي للبحث في دستورية القانون الا عند الضرورة القصوى، أي متى كان ذلك أمرا لا يمكن تجنبه، بأن كان ذلك لازما وضروريا للفصل في الطلبات الموضوعية المطلوب تطبيق النص المطعون عليها فيها (جلسة 11/7/1998 في الطعن رقم 5 لسنة 1998).

ولم تكن هناك أي ضرورة للقضاء بعدم دستورية المادة (16) سالفة البيان، لصون أحكام الدستور من الانتهاك، ولم يكن ثمة مخالفة في أحكام هذه المادة للدستور.

وكان أمام المحكمة لإصلاح الخطأ الذي وقع فيه مجلس الأمة برفض اسقاط عضوية الناشبين المذكورين فرصة سانحة لإصلاح هذا الخطأ من خلال الطعن الانتخابي المقام أمامها، والذي سنتناوله فيما بعد، وكان حكمها في هذا الطعن بقبوله والغاء القرار السلبي بالامتناع عن إعلان خلو مقعدي النائبين المذكورين كأثر حتمي للحكم القضائي بالمخالفة لأحكام المادة (84) من الدستور كافيا لإبطال عضويتهما، ولتفعيل أحكام هذه المادة.

القيد الثاني - رقابة القضاء الدستوري رقابة احتياطية:

وهو ما قضت المحكمة الدستورية في الكويت بأنه إذا احتمل النص أكثر من معني وجب حمله على المعنى الذي يجعله أكثر اتفاقاً مع الدستور، وعلى النحو الذي يحمله على أصله من الصحة، وينأى به عن التعارض، حتى ولو كان هذا المعنى أقل ظهوراً، وعلى ذلك يتعين أن يكون تفسير هذا النص في إطار المبادئ الحاكمة والأصول الواردة بالدستور نصاً وروحاً، إعمالا لمبدأ تدرج القواعد القانونية (جلسة 28/10/2009 والطعن رقم 20 لسنة 22 لسنة 2009).

وفي هذا يقول أول رئيس للمحكمة العليا (الدستورية) في مصر المرحوم المستشار بدوي ابراهيم حمودة إنه «اذا أمكن تفسير القانون على أكثر من وجه، وكان بينها وجه يجعله متفقاً مع الدستور، فعلى المحكمة أن تلتزم هذا الوجه في تفسير القانون، مادامت عبارته تحتمله، دون تكليف نفسها عناء البحث عن نية الشارع» (في تقديمه للمجموعة الأولى لأحكام المحكمة العليا الدستورية).

وقد كان هناك أمام المحكمة الموقرة في الطعن المقدم إليها بعدم دستورية هذه المادة رأيان في تفسير أحكام المادة (16) من اللائحة الداخلية تنازعا إسقاط العضوية، عند التصويت على القرار في المجلس، فقد وقر في ذهن بعض النواب البالغ عددهم (29) نائبا عند هذا التصويت أن سلطة مجلس الأمة في هذا الأمر سلطة مطلقة، في حين خالفهم هذا الرأي في هذا التصويت (31) نائبا من منطلقات دستورية، وهي أن مجلس الأمة في ممارسته هذه السلطة التي خولته إياها المادة (16) من اللائحة الداخلية يلتزم باحترام أحكام الدستور في الفصل بين السلطات، واحترام أحكام القضاء.

أي أن نص هذه المادة يحتمل أكثر من تفسير، وأن أغلبية المصوتين، بالموافقة على إسقاط العضوية، البالغ عددهم (31) عضوا كانوا مع التفسير الذي يجعل النص متوافقا مع الدستور في احترام مبدأ الفصل بين السلطات واستقلال القضاء واحترام أحكامه، على النحو الذي يحمل نص هذه المادة على أصلها من الصحة، إلا أن الحكم بعدم دستورية المادة (16) بهذا القيد، فضلا عن عدم التزامه بالقيدين وهما بقرينة الدستورية، التي تصاحب القانون منذ صدوره وتحمله على الصحة، وأن تتجنب المحكمة الحكم نتيجة ذلك بعدم دستورية نص تشريعي يحتمل أكثر من معنى، منها معنى يجعله متوافقا مع الدستور.

خاتمة

ولعل أفضل ما تختتم به هذه الدراسة هو أحد القيود الذاتية التي قيدت بها المحكمة قضاءها، وهو أن المحكمة تباشر وظيفة فنية ذات طابع قانوني مجرد، وهو ما قضت به المحكمة الدستورية بالكويت بأن «عمل القاضي الدستوري عمل قضائي من أعمال وظيفته، والمحكمة لا تباشر في ذلك، أو في إعمالها للرقابة، إلا وظيفة فنية ذات طابع قانوني مجرد، فهي تتخذ من ظاهر النص التشريعي أساساً لفحص دستوريته، وتستبعد في ذلك كل عنصر غير دستوري». (جلسة 15/ 6/ 1986– 3 لسنة 86 تفسير دستوري).

والواقع أن المحكمة الدستورية التزمت بذلك، وإن اختلفنا معها في رأينا بأن عبارات النص العامة والمطلقة تحمل قضاءها في المنطوق بعدم دستورية المادة (16) من اللائحة، وإن حملت قضاء آخر هو بطلان قرار مجلس الأمة الصادر في 30 أكتوبر الماضي برفض إسقاط عضوية النائبين المذكورين، وخلو مقعديهما بما يوجب على مجلس الأمة الإعلان عن خلو هذين المقعدين.

ولئن كان القضاء الدستوري ليس عملاً سياسياً بل هو عمل فني قضائي، ولا يخرج ما تباشره المحكمة الدستورية عن طبيعة الأعمال القضائية، إلا أن ذلك لا ينفي أن المحكمة في تفسيرها للنصوص الدستورية تستجلي قصد المشرع الدستوري، في ظل نظريات مختلفة في التفسير، منها ما يتعرف على الواقع وحاجاته ومقتضياته، وذلك حسبما تنبئ عنه التجربة وفرض ما هو واجب في شأن هذا الواقع، حيث يختلط فيه القضاء بالواقع والمستجدات، فيفرض القاضي على هذا الواقع ما يمليه عقله من مثل عليا وغايات ومرامٍ، وما يستلهمه من مبادئ المجتمع الذي يعيش فيه، بحسب فهمه لهذه المبادئ، وهي أمور نسبية وليست مطلقة.

ويرى د. أحمد كمال أبوالمجد أن العمل القضائي الفني للمحكمة الدستورية لا يمنع من التذكير بأن من طبيعة الرقابة الدستورية على القوانين أن تتناول بالضرورة عدداً من الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث تكفل نصوص الدستور أنواعاً متعددة من هذه الحقوق للفرد والمجتمع والسلطات الدستورية، وهي أمور تتصل أوثق اتصال بقيم المجتمع، بحيث يبدو تعرض القضاء الدستوري لها- في ظاهره- كما لو كان اقتحاما لمجالات سياسية تختص بها السلطة السياسية وحدها ولا ينازعها– في ذلك– القضاء. (من مقال نشر له بصحيفة الأهرام منذ أكثر من عشرين عاما تقريبا).

والواقع أن المحاكم بوجه عام تلجأ، عندما يفرض عليها الواقع الذي نعيشه والمثل والقيم المجتمعية، ما يدعو الى التنبيه إلى علاج خلل ما تكشف لها في قضية مطروحة أمامها، إلى توجيه نداء إلى أولي الأمر باتخاذ التدابير الكفيلة بعلاج هذا الخلل، أو تعديل التشريع بما يتواءم والعلاج الذي نقترحه، كما فعلت محكمة النقض المصرية في الثلاثينيات من القرن الماضي.

محكمة النقض وقضية البداري

وقد استعدت في هذا السياق من الذاكرة الحكم الذي أصدرته محكمة النقض المصرية في القضية التي عرفت بقضية البداري في ثلاثينيات القرن الماضي عندما حجبت المحكمة نفسها عن بسط رقابتها على الحكم الصادر عن محكمة الجنايات في استخلاصه للوقائع، لأنه لا معقب على هذا الحكم من محكمة النقض في هذه الناحية، لأن اختصاصها مقصور على الخطأ في القانون الذي خلا منه الحكم.

فأهابت محكمة النقض بأولي الأمر أن يتلافوا خطأ قضائيا وقعت فيه محكمة الجنايات حينما قضت بالإعدام على قاتل مأمور مركز البداري، دون أن تلتفت إلى أن هناك من الأسباب في هذه القضية ما كان يدعو إلى التخفيف، وهو أن المأمور كان يعامل هذا القاتل معاملة وصفتها محكمة النقض بأنها «إجرام في إجرام»، إذ كان يربطه في زرائب الخيل ويقص شاربه، ومن وقائع هذه المعاملة ما هو جناية هتك عرض. وقالت المحكمة في هذا الحكم الشهير «إن من أوذي واهتيج ظلما وطغيانا، وكان ينتظر أن يتجدد إيقاع هذا الأذى الفظيع به- لا شك أنه إذا اتجهت نفسه الى قتل معذبه فإنها تتجه الى هذا الجرم موتورة مما كانت منزعجة واجمة مما سيكون والنفس الموتورة المنزعجة هي نفس هائجة أبدا لا يدع انزعاجها سبيلا لها إلى التبصر والسكوت حتى يحكم العقل- هادئا متزنا ومترويا- فيما تتجه إليه الإرادة من الأغراض الإجرامية التي تتخيلها قاطعة لشقائها».

كان هذا النداء الإنساني الذي وجهه قاضي قضاة مصر المستشار عبدالعزيز باشا فهمي من منصة القضاء، وفي صلب الحكم الذي أصدره في هذه القضية الى الملك فؤاد الذي استجاب لنداء المحكمة وخفف الحكم من عقوبة الإعدام إلى الأشغال الشاقة المؤبدة.

واستطاعت المحكمة بهذا النداء الإنساني أن تتجنب الخروج عن اختصاصها بتمييز الحكم وإلغائه والقضاء مجددا بعقوبة أخف من عقوبة الإعدام واختصاصها ينحسر عن تقدير العقوبة بالتخفيف أو التشديد.

فقد كان يمكن للمحكمة الدستورية، وقد حجبت نفسها عن الرقابة على الخطأ الذي وقع فيه قرار مجلس الأمة برفض إسقاط عضوية النائبين المذكورين، أن تقضي برفض الطعن بعدم دستورية المادة (16) من اللائحة الداخلية، التزاما بحدود ولايتها في رقابة دستورية القوانين، والتي تنحسر عن الأعمال البرلمانية، أن تقرن حكمها أو تضمنه بيانا مماثلا للخطأ الذي وقع فيه المجلس في التطبيق ومطالبة مجلس الأمة الموقر بتصحيحه.

وما كان أغناه الحكم عن القضاء بعدم دستورية المادة (16) من اللائحة الداخلية لو أن المحكمة فصلت في الطعن الانتخابي بقبوله وإلغاء القرار الصادر من مجلس الأمة بالامتناع عن إعلان خلو الدائرتين، وهو ما سنتناوله في المبحث الرابع من هذه الدراسة غداً الثلاثاء بإذن الله.