نظراً إلى مكانة المحكمة الدستورية وأثار أحكامها، إن صدرت بمجال اختصاصها، فإن توقف أهل الاختصاص وغیرهم عند هذا النوع من الأحكام بالدراسة والتحلیل، والنقد والتصویب، مما یساهم في تطویر اتجاهات القضاء الدستوري في بلادنا وتنمیة التوعیة بآلیات وضوابط عمل القضاء، ولذا كان هذا التعليق.

تنقسم الملاحظات التي نوردها في معرض تعليقنا على هذا الحكم وما يرتبط بها من آثار ونتائج إلى مسائل أساسية هي:

Ad

أولاً- الحكم ينقض قواعد المشروعية الدستورية

أكدت المحكمة في حيثيات حكمها أن: "رقابة الدستورية التي تباشرها هذه المحكمة يقف مجالها عند حد التحقق من مدى موافقة التشريع المطعون عليه لأحكام الدستور، وهي رقابة لها طبيعة قانونية لا جدال فيها"، وزادت بأنه: "لا يسوغ - كأصل عام- التحدي بأن التشريع الذي تراقب المحكمة دستوريته – مهما بلغت أهميته وأبعاده وآثاره- له قوة الدستور"، معتبرةً أنها: "جهة الرقابة على الشرعية الدستورية"، وأنها: "لا تتخلى عن مسؤوليتها"، وأنها: "الحارسة على أحكام الدستور تدعيماً لسيادته وعلوه بوصفه المعبر عن إرادة الأمة على ما عداه".

وأضافت المحكمة في حيثيات حكمها أنه: "لا مجال للقول إن اللائحة الداخلية لمجلس الأمة الصادرة بالقانون رقم (12) لسنة 1963 لها قوة الدستور أو أنها عصية على الخضوع لرقابة هذه المحكمة...".

وتعليقاً على ذلك، نؤكد أن طبيعة عمل المحكمة الدستورية ومناط اختصاصها هو أن تتولى الفصل في المنازعات المتعلقة بدستورية القوانين واللوائح، ولا يجوز لها بحال من الأحوال أن تتعدى ذلك النطاق المحدد والمقصود، كأن تبحث في تطبيق مجلس الأمة لأي نص بل وتلاحق بواعثه أو أن تكيّف لائحة مجلس الأمة، التي هي جزء من أعماله البرلمانية - كما سنوضح ذلك لاحقاً- على أنها تشريع مما يخضع لرقابتها. وهو ما يعني أنها - أي المحكمة الدستورية- هي إحدى الجهات التي أنيط بها الحفاظ على سمو الدستور وصيانة مكانته وعلوه ، إذ إنه - أي الدستور- هو أساس وجودها وركيزة بقائها، ومن ثم فإن السماح بتجاوز أحكام الدستور وحدود ما رسمه من فواصل وتوزيع للاختصاصات الدستورية بين السلطات العامة تحت أي حجة - حتى من المحكمة الدستورية نفسها- ينقض مبرر وجودها ويصم ما تصدره في هذه الحالات بكونه إخلالاً بالدستور لا ينتج أثراً ولا يُرتب نتيجة ولا يُعول عليه لكونه ينقض مصدر مشروعية وجود المحكمة ذاتها، وهو التجاوز الذي وقعت به المحكمة في مواضع متعددة من حكمها فيما تزيدت به من أمور لا تدخل في اختصاصها، وفيما تخطته من حدود تنال من مبدأ يسمو عليها وعلى كل السلطات العامة الأخرى ألا وهو مبدأ (التوزيع الدستوري للاختصاص)، وهو ما كرسه الدستور وانطلق منه في بيان السلطات وطبيعتها واختصاصاتها وحدودها وهو ما ردده الدستور في أكثر من 58 مادة بشكل مباشر.

إن مبدأ التوزيع الدستوري للاختصاصات هو مبدأ أساسي بني عليه الدستور الكويتي حينما قرر في المادة (50) فكرة الفصل بين السلطات، ثم تتالت المواد الأخرى لتتولى كل منها بيان طبيعة ونوع اختصاصات كل سلطة. فقد بيَّنت المادة (51) السلطة التشريعية وهي التي تتكون من الأمير ومجلس الأمة، ثم جاءت المادة (52) لتبين السلطة التنفيذية والتي أيضاً تتكون من الأمير ومجلس الوزراء، ثم أوضحت المادة (53) بأن السلطة القضائية تتولاها المحاكم باسم الأمير في حدود الدستور. وبذلك يكون الدستور قد حدَّد لكل سلطة أجهزتها واختصاصاتها ونطاق عملها وطبيعة تكوينها، ومن ثم فإن مبدأ التوزيع الدستوري قد انبثق باعتباره مبدأ مركزياً ينبني عليه الدستور الكويتي، ولذلك فقد تتالت مواد الدستور من المادة (51) وحتى نهاية الدستور في بيان طبيعة ونوع اختصاص كل سلطة من السلطات الثلاث.

وقد عادت المحكمة في حيثيات حكمها إلى التأكيد على أن: "فصل السلطات من القواعد الأولية للدستور، لذا فقد رسم لكل سلطة من السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية حدود اختصاصها ووظائفها وصلاحياتها بما يحقق توازن السلطات توازناً لا يتيح لإحداها مكنة استيعاب الآخرين، ولم يجعل أي سلطة منها تعلو على الأخرى".

في ضوء هذا الفهم لفكرة الشرعية الدستورية ومصدر المشروعية لعمل السلطات في كنفها واعتماداً عليها ندرك بأنه يستعصي على أية سلطة تجاوز حدود التوزيع الدستوري للاختصاصات بين السلطات، ومن ثم إن وقعت أي من السلطات في حومة هذا التجاوز فإن عملها لا قيمة له ولا ينتج أثراً ولا يرتب قيمةً ولا يعول عليه وينحدر به إلى صيرورته عملًا مادياً لا أثر له قانوناً، لكونه ينقض مصدر مشروعية وجودها أصلاً، وهو ما شاب حكم المحكمة الدستورية فيما تجاوزه من حدود اختصاصها وتزيده في أمور هي خارج ولايتها القضائية.

ثانياً- الحكم يبسط رقابة المحكمة على الأعمال البرلمانية

إن جزءاً من الأمور المستقرة في الكويت في أحكام المحكمة الدستورية وفي القضاء المقارن، أن الأعمال البرلمانية أي تلك القرارات أو الأعمال المادية أو التصرفات التي يصدرها مجلس الأمة (أو البرلمان)، في شأن تنظيم سير جلساته واكتمال نصابها وحضورها والتصويت والمناقشات والإجراءات، التي تتم من قبله مثل تقديم السؤال البرلماني أو لجان التحقيق البرلمانية أو الاستجواب أو غيرها من الأعمال الأخرى بما في ذلك سلطة مجلس الأمة في تنظيم أعماله وإجراءاتها في إطار العمل داخل البرلمان جميعها تصدر بقرارات من مجلس الأمة، وهذه القرارات قد تكون آنية وقد تكون تنظيمية، فالقرارات الآنية من أمثلتها أن يتم انتخاب رئيس مجلس الأمة أو أعضاء لجان المجلس، أو كما أن يتم اتخاذ قرار بتحديد السماح لبعض موظفي الحكومة دخول قاعة المجلس في وقت انعقاد الجلسة للمشاركة في النقاش، أو التصويت على قرار بإضافة بند على جدول الأعمال أو غيرها من القرارات الآنية المؤقتة.

كما أنها قد تكون قرارات تنظيمية تصدر على شكل قواعد قانونية ونصوص دائمة، وهي إما أن تصدر على هيئة لائحة داخلية وهو ما تم في شأن اللائحة الداخلية للمجلس، التي تستند إلى التفويض الدستوري المقرر في المادة (117) من الدستور، وقد تصدر أحياناً بجملة قرارات متتابعة يتم تجميعها ويتم تنظيم العمل البرلماني وفقاً لها أيضاً، من حيث وقت المناقشة ومن حيث إجراءات النقاش وإجراءات الإحالة إلى اللجان، وأيضاً في حالة تحديد توقيت وإجراءات عرض رسائل أعضاء مجلس الأمة أو تظلماتهم أو احتجاجاتهم. أو كما هو الأمر في مسائل تتعلق في عضوياتهم واستمرارها وبقائها أو فقدانها، كل تلك الأمور تصدر بقرارات تنظيمية ومن ثم هي جزء من الأعمال البرلمانية الخالصة، إذ إنها صدرت عنه لتنظيم شؤونه وأعماله التي يستقل بتنظيمها، التي باتفاق أحكام المحكمة الدستورية في الكويت منذ إنشائها إلى صدور الحكم الأخير رقم 6 لسنة 2018 هي أعمال برلمانية مما تخرج عن ولاية المحكمة الدستورية وتستعصي على رقابتها، ولا يجوز بسط هذه الرقابة عليها، ولا يُغيّر من هذا الأمر والحقيقة في شيء حتى وإن حدث أن حاولت المحكمة الدستورية وبسطت من الناحية الفعلية رقابتها عليه - تجاوزاً لأحكام الدستور- كما حدث في إجراءاتها في الحكم الوارد في القضية محل هذه الدراسة، على نحو ما سنبينه تفصيلاً في هذه الدراسة بأنها مدت نطاق رقابتها بصورة فيها إخلال جسيم وخروج على وظيفتها ونطاق اختصاصاتها حينما بسطت رقابتها على الأعمال البرلمانية، التي تستعصي عليها قولاً واحداً متخذةً من الدعوى الدستورية مدخلاً للنيل من اللائحة ومن قرارات برلمانية تتعلق بتطبيقها في مجال اختصاص المجلس النظر في إسقاط عضوية أعضائه من عدمها، بما يترتب عليه انحدار عمل المحكمة للعمل المادي الذي لا ينتج أثراً ولا يكتسب أي وجود وليس له قيمة لخروجه الكامل على أحكام الدستور.

وفي الحكم الماثل أمامنا، ورغم تأكيد المحكمة على أن رقابتها الدستورية لا تشمل الأعمال البرلمانية، حيث أشارت في الحكم إلى أن: "ما يصدره مجلس الأمة من قرارات وما يتخذه من إجراءات يُعد من الأعمال البرلمانية التي لا تتسم بالصفة التشريعية، وتنحسر عنها رقابة هذه المحكمة دون نزاع"، إلا أنها في هذا الطعن بسطت رقابتها على عمل برلماني متخذةً من سبب الطعن المنظور قبلها مدخلاً لإخضاع عملين برلمانيين يُعدّان من الاختصاصات الأصيلة لمجلس الأمة لرقابتها، أولهما نصوص اللائحة الداخلية ذاتها وثانيهما يتمثل في التصويت على إسقاط عضوية اثنين من أعضاء مجلس الأمة بعد صدور حكم نهائي قضى بسجنهما، وهي الحالة التي يستنهض معه اختصاص المجلس وفق المادة (82) من الدستور التي تنص على أنه: "يشترط في عضو مجلس الأمة:

1- أن يكون كويتي الجنسية بصفة أصلية وفقاً للقانون.

2- أن تتوافر فيه شروط الناخب وفقاً لقانون الانتخاب.

3- ألا تقل سنه يوم الانتخاب عن ثلاثين سنة ميلادية.

4- أن يجيد قراءة اللغة العربية وكتابتها". وكذلك وفقاً للمادة (117) من الدستور التي تنص على أنه: "يضع مجلس الأمة لائحته الداخلية متضمنة نظام سير العمل في المجلس ولجانه وأصول المناقشة والتصويت والسؤال والاستجواب وسائر الصلاحيات المنصوص عليها في الدستور. وتبين اللائحة الداخلية الجزاءات التي تقرر على مخالفة العضو للنظام أو تخلفه عن جلسات المجلس أو اللجان بدون عذر مشروع".

ومن الواضح أن الدستور في هذه المادة قد خوَّل مجلس الأمة منفرداً سلطة تقديرية في تنظيم الاختصاصات المعهودة إليه في لائحته الداخلية، وهي لهذا الاعتبار تتمتع بمنزلة دستورية وتُعدّ عملاً برلمانياً في آن واحد.

كما يأتي هذا العمل البرلماني، الذي قصدت المحكمة بصورة خاطئة بسط رقابتها عليه، تنفيذاً لأحكام المادة (16) من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة التي تنص على أنه: "إذا فقد العضو أحد الشروط المنصوص عليها في المادة (82) من الدستور أو في قانون الانتخاب أو فقد أهليته المدنية سواء عرض لـه ذلك بعد انتخابه أو لم يعلم إلا بعد الانتخاب أحال الرئيس الأمر إلى لجنة الشؤون التشريعية والقانونية لبحثه، وعلى اللجنة أن تستدعي العضو المذكور لسماع أقواله إذا أمكن ذلك على أن تقدم تقريرها في الأمر خلال أسبوعين على الأكثر من إحالته إليها. ويعرض التقرير على المجلس في أول جلسة تالية، وللعضو أن يبدي دفاعه كذلك أمام المجلس على أن يغادر الاجتماع عند أخذ الأصوات، ويصدر قرار المجلس في الموضوع في مدة لا تجاوز أسبوعين من تاريخ عرض التقرير عليه. ولا يكون إسقاط العضوية إلا بموافقة أغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس باستثناء العضو المعروض أمره، ويكون التصويت في هذه الحالة بالمناداة بالاسم، ويجوز للمجلس أن يقرر جعل التصويت سرياً". ولذلك فإن تطبيق هذه المادة من خلال الإجراءات المبينة والتي انتهت بتصويت المجلس برفض إسقاط عضويتي النائبين وهو أيضاً عمل برلماني أصيل.

إن رقابة المحكمة الدستورية الخاطئة للمادة (16) المشار إليها استتبعه حتماً بحث ومناقشة ما أجراه مجلس الأمة من عمل برلماني- إن لم يكن قصد منه بلوغ ذلك-، رغم أنه عمل برلماني خالص مما تنحسر عنه رقابة المحكمة الدستورية، ويجعل الحكم مصاباً بالعوار الجسيم، الذي يفقده أن يكون له أي أثر قانوني أو قيمة في أصل النزاع الموضوعي الذي أثاره الطاعن، بل إن المحكمة الدستورية ذاتها في حكم لها عام 2015 أوضحت ذلك مقررة أن "مراقبة تطبيق النص المطعون فيه لا يكشف بذاته عن عيب دستوري، وأن المحكمة لا شأن لها بكيفية تطبيق القانون ولا بما يظهر عند ذلك من قصور ومثالب". ولعل مما يلزم التنويه إليه هنا هو أن ما ورد من اختصاص في المادة (16) يجد أيضاً سنده الصريح في المادة (117) من الدستور، التي فوضت المجلس بوضع لائحة داخلية - تصدر بقرار برلماني منه - تحكم وتنظم أعماله الداخلية، بما في ذلك إسقاط العضوية، وهو ما يجعله (أي قرار إسقاط العضوية) واحداً من الأعمال البرلمانية، التي تخرج عن رقابة القضاء الدستوري. كما يجد هذا الاستبعاد سنده في أن إسقاط العضوية من عدمها بالنسبة لسلطة المجلس بشأنها تحكمها فكرة الملاءمة السياسية بأبعادها التقديرية، وهو ما أشارت إليه المذكرة التفسيرية للدستور في نطاق التصوير العام لنظام الحكم عندما جعلت هذه الملاءمة "مسألة تعبر عن واقع الدولة وتتخير أقدر الأصول النظرية على التزام الحد الضروري من مقتضيات هذا الواقع".

وتأكيداً لأهمية النص الدستوري الذي منح الاختصاص لمجلس الأمة في تنظيم وإدارة شؤونه، ذهب الفقه الكويتي إلى أنه: "وفقاً لنص المادة (117) من الدستور يستطيع مجلس الأمة أن يضع لائحته بقرار يصدره، دون حاجة إلى إصدارها بقانون يخضع لكافة الإجراءات التي يخضع لها كل قانون (موافقة مجلس الأمة – تصديق- إصدار- ونشر)"، وهو ما أيدناه من جهتنا وعبرنا عنه في أحد مؤلفاتنا منذ وقت طويل بالقول، إنه آن الأوان: "لتصحيح هذا الوضع الخاطئ، وإصدار (مجلس الأمة) لائحته الداخلية بقرار منه"، ولذلك فإن ما نعبر عنه الآن ليس برأي جديد بمناسبة الحكم محل التعليق، بل هو موقف علمي مؤصل يستحضر أهمية تعزيز الأدوات التي تحفظ توازن واستقلالية السلطات الدستورية، وخاصة السلطة التشريعية منها، في ممارستها لمهامها الجوهرية تشريعياً ورقابياً بشكل فعال، والتي تنوء بالصعاب الجسيمة.

لكن المحكمة الدستورية في الحكم محل هذا التعليق أعرضت في حيثياتها عن المسلمات والمبادئ الدستورية وتجاوزتها، ومنحت لنفسها بشكل مباشر - بتجاوز جسيم- الحق في رقابة الأعمال البرلمانية بمناسبة بسط رقابتها الدستورية، حيث جاء في حيثيات الحكم أن: "لهذه المحكمة كل الحق في بسط رقابتها الدستورية على أي نص تشريعي دون أن يحجبها عن ذلك أي إجراء أو عمل في ممارسة اختصاصها... فمثل ذلك الإجراء أو العمل لا يأبه لآثاره، ولا يحول بين المحكمة وممارسة دورها".

ولذلك فإن هذا الحكم يعد مجافياً للصواب بل ويبيح للمحكمة أن تغشى ميداناً محظوراً عليها لإهدارها مبدأ الفصل بين السلطات وعلى وجه التحديد مبدأ التوزيع الدستوري للاختصاصات بين السلطات، وفضلاً عن ذلك، فإن مسلك المحكمة الخاطئ في الحكم محل التعليق يتعارض مع الاتجاه المتواتر من قضاء المحكمة نفسها، حيث استقر قضاؤها على استثناء الأعمال البرلمانية من رقابة المحكمة بحسبان اقتصار رقابتها على المنازعة الدستورية فقط، إذ قضت في حكم لها بشأن الفصل بدستورية قرار مجلس الأمة الصادر بجلسته المنعقدة في 11/1/1994 والمنشور بالجريدة الرسمية بالعدد رقم 139 – بعدم إقرار المرسوم بقانون رقم 35/1990 في شأن محاكمة الوزراء بأنه: "وإذا كان المجلس التشريعي يختص أساساً بالتشريع أي بإصدار قوانين ذات قواعد عامة مجردة وفقاً للإجراءات المرسومة دستورياً، فإن الدستور قد خوَّله بالإضافة إلى ذلك اختصاصات أخرى يطلق عليها اصطلاح الأعمال البرلمانية، وهي جميع الأعمال القانونية والمادية التي ليس لها صفتا العمومية والتجريد، والتي تصدر من المجلس التشريعي أو من إحدى لجانه أو أحد أعضائه، وهم بصدد القيام بوظائفهم المخولة لهم بموجب الدستور خارج نطاق وظيفة التشريع، ومن ثم فلا تعد أعمالاً تشريعية، مما يبعدها عن مفهوم القوانين أو المراسيم بقوانين أو اللوائح، وعلى ذلك فهي تخرج عن رقابة المحكمة الدستورية. ولما كان ذلك وكان قرار مجلس الأمة بإقرار أو عدم إقرار المرسوم بقانون الصادر في غيبته لا تتوافر فيه المقومات التي تدخله في زمرة القوانين التي يصدرها المجلس إذا افتقد عناصر القاعدة القانونية الملزمة من العمومية والتجريد، ولم تتبع بصدده الإجراءات الدستورية المقررة لسن القوانين، ومن ثم فإن قرار مجلس الأمة بعد إقرار المرسوم بقانون رقم 35/1990 في شأن محاكمة الوزراء لا يُعد من التشريعات التي حددها الدستور والقانون. وأخضعها لرقابة المحكمة الدستورية، بما تضحى معه المحكمة الدستورية غير مختصة بالنزاع المطروح وهو ما يتعين القضاء به، دون حاجة إلى التعرض لما أورده الخصوم في مذكراتهم ومرافعاتهم الشفوية من دفاع، فلهذه الأسباب حكمت المحكمة بعدم اختصاصها بنظر الدعوى".

وتعزيزاً للتوجه الذي انتهت إليه المحكمة الدستورية، فقد شهدت نفس القضية تقديم رئيس مجلس الأمة طلب التدخل فيها والدفع بعدم اختصاص المحكمة الدستورية في موضوع المنازعة تأسيساً على أن عدم إقرار مجلس الأمة المرسوم بقانون رقم 35/90 في شأن محاكمة الوزراء ليس عملاً تشريعياً مما يدخل في نطاق ولاية رقابة المحكمة الدستورية وإنما هو عمل برلماني ينفرد بطبيعة قانونية خاصة.

وفي قضية أخرى مماثلة بشأن طعن بعدم دستورية المادة (17) من قانون المطبوعات والنشر رقم 3/61 وبعدم دستورية البند خامساً من المادة الأولى من القانون رقم 20/81 المعدل بالقانون رقم 61/82، دفعت إدارة الفتوى والتشريع بأن المحكمة غير مختصة بالفصل في النزاع الموضوعي لكونه من الأعمال السياسية المندرجة في أعمال السيادة والتي تخرج بطبيعتها عن مجال الرقابة القضائية لسائر المحاكم.

وقد قضت المحكمة الدستورية العليا في مصر بخروج الأعمال البرلمانية من نطاق رقابتها. كما سلك قضاء مجلس الدولة المصري المسلك نفسه عندما قضى في أحد أحكامه بأن: "... الأعمال البرلمانية لم تخضع يوماً لرقابة أية جهة قضائية في مصر، ولم يتضمن تاريخ التشريع في مصر إسناد أية رقابة على الأعمال البرلمانية إلى إحدى جهات القضاء بما في ذلك المحكمة الدستورية العليا".

ومن ثم فإنه يستعصي على المحكمة الدستورية نظر العمل البرلماني ولو غُلِّف على هيئة طعن بعدم الدستورية كما في الطعن الماثل، مما كان يتعين عليها رفضه شكلياً من قبل المحكمة أو من قبل أية جهة أدنى منزلة منها (غرفة المشورة). بل إن قبوله منها شكلاً فيه نكوص عن المستقر ونيل من مسلمات شكلية تتمثل بعدم النظر بأي نعي على العمل البرلماني لانحسار ولايتها عن الرقابة عليه، وهو في الحكم محل التعليق تجاوز صريح لنطاق اختصاصهما وقيودها القانونية ليحولهما لجهة تحكيم سياسي وهو ما تنكبت طريقه وتجاوزته المحكمة وبل أهدرت بديهياته المسلم بها والمستقرة، وكنا نأمل أن تنأى المحكمة الدستورية بنفسها عن متابعة هذا التوجه الخاطئ الذي تهتز معه أركان الدستور ومبادئه وينال من مرجعيتها ومكانتها الدستورية، حينما قبلت أن تصبح جهة تحكيم سياسي لا محكمة قضاء دستوري، فتنظر في طعن بعدم الدستورية حقيقته الزج بها لتغشى ميداناً لا ولاية لها فيه، كي تنظر وتراقب عملاً برلمانياً صرفاً مما يستعصي على اختصاصها الولائي سواء أكان هذا الإقحام لها قد تم بصورة مباشرة أم غير مباشرة، وهو ما كان يجب على المحكمة الدستورية رفضه لخروجه بالكامل عن ولايتها، ترسيخاً لمكانتها المرجعية الدستورية والتي مناطها الحفاظ على الدستور وليس إهدار جوهر مبادئه وأحكامه والتي منها (مبدأ الفصل ببن السلطات، وعدم اختصاصها الولائي بالرقابة على الأعمال البرلمانية، وهو المتواتر والمستقر في كافة أحكامها السابقة، وهو أيضاً ما ينعقد عليه إجماع القضاء الدستوري المقارن كما أوردنا أعلاه).

ولم يكن خافياً على المحكمة أن الطعن المقدم إليها فاقد للمصلحة وهو ضرب من ضروب الطعون الانتخابية الذي لُبّس لبوس الدعوى الدستورية مما كان يستوجب رفضها له شكلياً.

التوزيع الدستوري

يقول د. المقاطع إن مبدأ التوزيع الدستوري للاختصاصات إلى جوار العديد من المبادئ الدستورية الراسخة، ترسم حدوداً فاصلةً وجوهرية بين السلطات الثلاث، بحيث أنها تقف حائلاً دون أي سلطة وإمكانية التدخل في أعمال سلطة أخرى، ومن ثم فإن الحفاظ على سموّ الدستور وعلوّ مكانته هو مسؤولية مشتركة لكافة السلطات ولا تقتصر على سلطة دون أخرى، ذلك أن مظنّة التجاوز على أحكام الدستور وإهدارها متصورة بحق كل سلطة منها، ومن هنا ينهض مبدأ «السلطة تحدّ السلطة» ليكون ضمانة فعالة في إطار نظام ديموقراطي للأخذ بفكرة الرقابة المتبادلة، ومن وراء كل ذلك قدرة صاحب السلطة الأكبر والسيادة - ألا وهو الشعب- في مراقبة التزام السلطات باختصاصاتها كما تكرس ذلك المادة (6) من الدستور التي تنص على أن: «الأمة مصدر السلطات جميعاً»، وهو ما يجعل ما جاء في الحكم محل التعليق مشوباً بتجاوز صارخ للعديد من المبادئ الدستورية، وفي مقدمتها مبدأ التوزيع الدستوري للاختصاصات بين السلطات، حينما نظرت المحكمة الدستورية في عدم دستورية نص المادة (16) من اللائحة الداخلية، وهي لا تملك اختصاصاً ولائياً بذلك، إذ أنها – أي المحكمة – إنما بسطت رقابتها على عمل برلماني صرف، وقبلت دعوى في حقيقتها لُبّست لبوس الدعوى الدستورية للنيل من قرار المجلس والذي هو أيضاً عمل برلماني بما شاب حكم المحكمة محل هذه الدراسة بعوار جسيم انحدر به إلى مدارج الأعمال المادية البحتة، التي لا ترتب أثراً قانونياً ولا تكتسب أية قيمة أو حجية على الإطلاق. فضلاً عن غياب شرطيّ الصفة والمصلحة الشخصية في الدعوى محل الحكم الوارد في هذا التعليق على نحو يهدر كافة أحكام المحكمة الدستورية السابقة.

ثالثاً- الحكم يهدر الطبيعة البرلمانية للائحة الداخلية وأهميتها الدستورية

نصت المحكمة الدستورية في حكمها محل التعليق أن اللائحة الداخلية لمجلس الأمة هي قانون، وأنها تدخل ضمن رقابتها الدستورية، معتبرةً أن "الدستور قضى بأن يضع مجلس الأمة لائحته الداخلية... وذلك أخذاً بما جاء في دساتير مقارنة أخرى من أن يُترك للمجلس النيابي وضع لائحته الداخلية، صدر القانون رقم 12 لسنة 1963 في شأن اللائحة الداخلية لمجلس الأمة، وذلك على نحو ما اتبعته دول عديدة من جعل اللائحة قانوناً، وتطبيقه حتى يكون للسلطة التنفيذية من الشأن في أمور اللائحة ما لها من الشأن في أمور القوانين الأخرى..". كما أكدت في حيثيات حكمها أن: "رقابة الدستورية التي تباشرها هذه المحكمة يقف مجالها عند حد التحقق من مدى موافقة التشريع المطعون عليه لأحكام الدستور، وهي رقابة لها طبيعة قانونية لا جدال فيها، وبالتالي فلا يسوغ - كأصل عام - التحدي بأن التشريع الذي تراقب المحكمة دستوريته - مهما بلغت أهميته وأبعاده وآثاره – له قوة الدستور لا يجوز نقضه...".

إن الموقف القانوني للمحكمة الدستورية من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة كما بدا من النصوص المشار إليها خاصة، ومن مجمل ما ورد في الحكم محل التعليق مجافٍ للحقائق الدستورية وأصولها، وهو يستحق التوقف عندها بالبيان والتحليل وذلك على النحو التالي:

إن اللائحة الداخلية لمجلس الأمة تتسم بطبيعةٍ فريدةٍ ألا وهي أنها ذات طبيعةٍ دستوريةٍ لارتباطها بالمادة (117) من الدستور، وأنها تندرج ضمن الأعمال البرلمانية الخالصة إذ إن مجلس الأمة ينفرد بإصدارها وتعديلها وإلغائها وفقاً لصريح نص المادة (117) من الدستور وبقرار أو مجموعة قرارات منه، ولم ينص الدستور على صدورها بقانون كما تحاول المحكمة الدستورية أن توحي بحيثياتها، بل نص الدستور على صدورها بقرار من مجلس الأمة منفرداً تحقيقاً لاستقلالية المجلس بتنظيم شؤونه وسيادته على إجراءاته واختصاصاته.

إن ما تجدر الإشارة إليه في هذا السياق هو أن المادة (117) من الدستور هي تأكيد لفكرة استقلال السلطة التشريعية وانفرادها بإدارة كافة شؤونها وتنظيمها بعيداً عن تدخل أي سلطة كانت، وهذه المادة الدستورية (أي المادة (117) من الدستور) أوضحت بأن مجلس الأمة هو الذي يضع لائحته الداخلية، بمعنى أن مجلس الأمة ينفرد لوحده بوضع اللائحة تأكيداً لفكرة استقلاله من جهة، وتعزيزاً لفكرة أنه سيد قراراته في شأن ما قد يعن له من اختصاصات وما يحدده من إجراءات من جهة ثانية، وهو ما من شأنه أن يجعل المادة (117) أساساً جوهرياً للائحة الداخلية لمجلس الأمة التي تُعد متممةً للمادة (117)، باعتبار أن ما ورد بالمادة (117) من الدستور هو تفويض دستوري كامل لمجلس الأمة بوضع هذه اللائحة بحيث يضفي على اللائحة الداخلية لمجلس الأمة طبيعة دستورية تنبثق وترتبط بالمادة (117) وتعلو في مكانتها عن بقية القوانين.

إن النتيجة المترتبة عما سبق، هو أنه إذا كانت اللائحة الداخلية بهذه المكانة وبهذه المنزلة، فمن ثم لا يجوز أن تأتي أي محكمة أياً كان موقعها أو طبيعتها لتتدخل في ما يتعلق بأية إجراءات أو أحكام ترد في هذه اللائحة لكون ذلك مما ينفرد باختصاصه البرلمان (مجلس الأمة) بعيداً عن رقابة أي جهة كانت، وهنا ندرك بأن القرار التفسيري بشأن الطلب رقم 26 لسنة 1996 والذي أصدرته المحكمة الدستورية بتاريخ 8/1/1997 بشأن طبيعة اللائحة الداخلية لمجلس الأمة حينما وصفتها بأنها ذات طبيعة دستورية ومكملة لأحكام الدستور، حكم صحيح في فهم وتفسير معنى وطبيعة اللائحة الداخلية لمجلس الأمة، وهذا الموقف من المحكمة ليس جديداً ولا منفرداً، فقد سبق لها أن استشهدت بالمادة (122) من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة في قرار تفسيري للمادة (99) من الدستور رقم 3 لسنة 1982، وفي سياق مماثل.

رابعاً- غياب المصلحة المباشرة والصفة كأساس للطعن

إن إجراءات الوصول للمحكمة الدستورية منضبطة ومحددة، ومن بينها بيان صفة الطاعنين ومدى توافرها والمصلحة المرجوة، ولا يمكن تخطي استيفاء تلك الإجراءات ولا متطلباتها حتى من قبل المحكمة الدستورية ذاتها، وبالتأكيد ليس بمقدور أية جهة أدنى منها أن تتخطى ذلك ومن باب أولى (سواء كانت غرفة المشورة التابعة للمحكمة الدستورية، أو لجنة فحص الطعون، أو أي محكمة موضوعية يتم الدفع أمامها بعدم دستورية قانون أو لائحة)، وهو ما أقرته المحكمة الدستورية ذاتها منذ وقت طويل بقولها إنه: "لما كانت الدعوى الدستورية نظراً لطبيعتها كدعوى عينية تستهدف التشريع المطعون عليه بالعيب، فقد وضع المشرع إجراءات تحريكها وشروط قبولها والاختصاص بنظرها على نحو خاص مرسوم، وكانت تلك الإجراءات من مقومات الدعوى الدستورية، فإن ولاية المحكمة الدستورية بالفصل في دستورية القوانين واللوائح لا تنعقد إلا باتباعها، لتعلقها بالنظام العام باعتبارها شكلاً جوهرياً في التقاضي قصد به المشرع مصلحة عامة حتى ينتظم التداعي في المسائل الدستورية بالإجراءات التي رسمها، وإلا كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة في حال تجنب تلك الإجراءات". وقد جانب المحكمة الدستورية الصواب في الحكم الماثل محل التعليق حينما قبلت قرار غرفة المشورة بالمحكمة الدستورية والذي قررت فيه قبول الطعن رقم (6) لسنة 2018 على أنه جدير بالنظر وقيده في سجل المحكمة "طعن مباشر دستوري" إذ إن قرارها منتقد فهو معيب لتخلف تحقق شرط المصلحة المباشرة والصفة اللازمة في الطاعن لقبول طعنه.

خامساً- الدور السلبي لمجلس الأمة والحكومة في الحكم

في منطوق حكمها نصت المحكمة الدستورية على أنها: "نظرت الطعن في الجلسة المعينة لنظره على الوجه المبين بمحضرها، وفيها حضر الطاعن بشخصه ومحاميه، وصمما على الطلبات، كما حضر ممثل إدارة الفتوى والتشريع عن الحكومة وفوض الرأي للمحكمة"، وهو ما يؤكد غياب ممثلين لمجلس الأمة عن الجلسة رغم أن القضية تتعلق في جوهرها باختصاصاته الدستورية والموضوعية، وهو ما نستغربه ونعده قصوراً كبيراً تتحمل مسؤوليته رئاسة المجلس ومكتبه، وهذه سابقة خطيرة أن يقف مجلس الأمة موقف المتفرج في طعن أعلن به ولم يقم بواجب إبداء الرأي بشأنه خصوصاً وأن وقائع الطعن مُوجهة للنيل من قراره الذي أصدره بأغلبيته في جلسة 30/10/2018، كما أن الموقف الحكومي بدوره منتقد بسبب أهمية اللائحة في تنظيم علاقة السلطة التنفيذية بالسلطة التشريعية وفي بيان وحفظ اختصاصات الحكومة ووزرائها داخل مجلس الأمة وفي التعامل مع أعضائه من خلال الأسئلة البرلمانية ولجان التحقيق والاستجوابات وغيرها، وكان عليها أن تنتصر وتساند الموقف الدستوري السديد لا أن تتخذ موقفاً سلبياً.

آثار ونتائج الحكم

يذكر د. المقاطع أن منطوق حكم المحكمة الدستورية قرر ما يلي: «عدم دستورية المادة (16) من اللائحة الداخلية لمجلس الأمة الصادرة بالقانون رقم 12 لسنة 1963، مع ما يترتب على ذلك من آثار»، وهو ما يعني:

1- أن الحكم الصادر من المحكمة الدستورية قد جاء معيباً شكلياً وموضوعياً ومتعدياً على الدستور ومبدأ التوزيع الدستوري للاختصاصات متجاهلاً أن اللائحة الداخلية برمتها هي عمل برلماني خالص لا ولاية للمحكمة عليه، مما يترتب عليه وفقاً للتفصيل الوارد في هذا التعليق تداعي الحكم وانحداره للعمل المادي الصرف الذي لا يحدث أثراً قانونياً ولا يرتب نتيجةً فهو والعدم سواء.

2- بافتراض أن حكم المحكمة الدستورية صحيح - وهو غير صحيح - فإن الحكم قد قرر إنهاء وجود المادة (16) من يوم صدورها، وهو ما يعني تلقائياً استمرار وجود المادة (50) من قانون الانتخاب رقم 35 لسنة 1962، فقد كانت المادة (16) ألغت المادة (50) لتعارضها مع حكمها.

3- أما وأن المادة (16) تم إنهاء وجودها بحكم عدم دستوريتها، فإنه يترتب على ذلك تلقائياً بقاء نص المادة (50)، وهي التي تنظم آلية وإجراءات إسقاط المجلس لعضوية أعضائه، ومن ثم فإن قرار المجلس الصادر بجلسة 30/10/2018 برفض إسقاط عضوية النائبين د. وليد الطبطبائي ود. جمعان الحربش يظل سارياً منتجاً لكافة آثاره، لأن حكم المحكمة الدستورية - إن اعتبرناه قائماً ومنتجاً- يقتصر على عدم دستورية المادة (16) وأثره يعيد المادة (50) من قانون الانتخاب للوجود، وقد قضت المحكمة الدستورية بأن: «الأصل في القاعدة القانونية هو سريانها اعتباراً من تاريخ العمل بها على الوقائع التي تتم في ظلها حتى إلغائها، فإذا أحل المشرع محلها قاعدةً جديدةً تعين تطبيقها اعتباراً من تاريخ نفاذها وإهمال القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد مجال إعمال كل من القاعدتين من حيث الزمان، الذي نشأ مكتملاً من المراكز القانونية – وجوداً وأثراً- في ظل القاعدة القانونية القديمة يظل محكوماً بها وحدها».

4- وفي جميع الأحوال فإنه ليس للحكم أي أثر على القرار البرلماني الذي أصدره المجلس بجلسة 30/10/2018 برفض إسقاط عضويتي النائبين المذكورين لكونه صدر صحيحاً ومنتجاً لآثاره، وهو ضمن ما يملكه المجلس من اختصاص وصلاحيات في أن يقرر رأيه بإسقاط العضوية وفقاً للمادة (82) من الدستور، وآليتها وفقاً إجراءات المادة (16) من اللائحة الداخلية، وبفرض أن المادة المذكورة لا وجود لها فسند المجلس في إصدار القرار المذكور يستمر صحيحاً ومستمداً من نص المادة (50) من قانون الانتخاب رقم 35 لسنة 1963.

5- وخلاصة لكل ما تقدم، تكون نتيجة كل ما سبق هو سلامة قرار مجلس الأمة برفض إسقاط العضوية وهو قرار منتج لأثره ولا يطاله أثر حكم المحكمة الدستورية بعدم دستورية المادة (16)، إذ إن المحكمة الدستورية لا تملك أي ولاية للتعرض لقرار المجلس لدخوله في عداد الأعمال البرلمانية وهو ما أكدته المحكمة الدستورية في حكمها ذاته بالبند خامساً. ومن ثم فإن قرار المجلس برفض إسقاط العضوية قائمٌ ومنتجٌ لآثاره وأخصها استمرار عضوية النائبين المذكورين. إن قراراً برلمانياً صدر من قبل مجلس الأمة برفض إسقاط عضوية العضوين الطبطبائي والحربش، تماماً كما سبق لمجلس سابق أن رفض إسقاط عضوية العضو خلف دميثير. وبناء عليه فإن القرار البرلماني يستمر سارياً ومنتجاً لأثره وهو استمرار عضوية النائبين المذكورين، وحتى لو افترضنا أن حكم المحكمة الدستورية غير معيب (وهو معيب في المصلحة والاختصاص الولائي وفي اقتحام ميدان يختص به المجلس منفرداً، فصار هو والعدم سواء)، ولذلك فإن أثر حكم المحكمة لا يمكن أن يُغيّر في قرارات برلمانية نافذة أصدرها المجلس، ولا يمكن أن يُوجَّه المجلس في كيفية التصدي لإسقاط عضوية أعضائه وإعلان خلو مقاعدهم؛ لأنه ليس من اختصاص المحكمة ذلك، وذكرها لذلك هو تزيد لا قيمة له، خصوصاً وأن المحكمة أشارت في حكمها ذاته أنها لا تملك التصدي للأعمال البرلمانية لعدم امتداد ولايتها لها، وهو ما يعني أن المحكمة جاءت بالنقيضين في ذات الحكم، وهو ما يؤكد خروجها عن ولايتها القضائية.