دخلنا عاماً جديداً، وما قابلت أحداً إلا وهو يشكو من مرور السنوات الأخيرة بأسرع من "رتمها" المعتاد، ويصعب عليه تصديق أن مواليد بداية الألفية قد بلغوا سن قيادة السيارات، أو استيعاب أن ما مر من سنوات بين الاستقلال والغزو يعادل ما مر بين التحرير واليوم، هكذا "تسرسبت" السنين من بين أيدينا، قد يكون لوسائل التواصل الاجتماعي دور في سرقة الوقت مما يجعلنا نشعر بسرعة انقضاء السنين وتلاحقها العجل، فأنت تدخل برنامجاً بنية الرد على رسالة أو "مطراش" للجمعية، فتخرج من برنامج آخر بعد شهر ونصف عندما تكون قد انتهيت من إبداء رأيك المحوري حول الاتفاق النووي بين أميركا وكوريا الشمالية وأثره على اتفاقية "كيوتو" بشأن التغير المناخي، وعلاقتها بالحفاظ على البيئة، فيمر العمر وفق هذا الإيقاع المتسارع من بين يديك دون أن تشعر به أو تعطيه حقه من الحياة.

حديث السنوات وتعاقب الأجيال هذا يجرنا إلى النظر في حال وأوضاع أبناء جيلنا الذين بلغ أصغرهم اليوم من العمر سن الكهولة، وأكبرهم قد دخل في زمرة المتقاعدين و"المتعالجين" بالخارج، أعني هنا تحديداً مواليد السبعينيات، ومعهم قليل من مواليد أواخر الستينيات وبداية الثمانينيات، فنحن جيل ابتدأ حياته وتكوينه العاطفي والفكري مع أفول الناصرية ونهاية عصر الأحلام والرومانسية القومية وعز مرحلة الإنكار، فتربينا في كنف الشعارات المثالية والمؤامراتية والأفلام العربية، حيث الخيال العلمي الاجتماعي هو المسيطر، وافتتحت مراهقتنا وشبابنا على حروب صدام حسين التي أخذت جل الثمانينيات وصولاً إلى الغزو الآثم، ذلك لا يمنع من وجود بعض المحاسن المتفرقة، فعزاء جيلنا مثلاً أن ذائقته الفنية قد تشكّلت في ظل أعمال راقية نسبياً كالشهد والدموع وليالي الحلمية بأغلب أجزائها، تزامناً مع صدور أجمل ألبومات عبدالكريم عبدالقادر وأبوبكر سالم، فيكفي أن طربان بن سالم قد غنى آنذاك.

Ad

نحن نعتبر آخر أجيال مرحلة الأيدلوجيات والبراءة الثورية والحرب الباردة، والذين داهمنا عصر الشركات والعولمة والتكنولوجيا على حين غرة، فلا نحن الذين برزنا في الأول، ولم نكن على استعداد لنعرف كيف نستفيد من الآخر، فمازال جيل الخمسينيات وما قبل من التكنوقراط يستحوذ على المناصب القيادية والمفصلية بالدولة، ومن جهة أخرى لم يكن الاستعداد النفسي والتعليمي لجيلنا يؤهله للتعامل مع طوفان التكنولوجيا وثقافة السوق التي سيطر عليها اليوم جيل الثمانينيات والتسعينيات الأكثر استعداداً لمرحلتهم، فضعنا نحن بين جيلين، واختفينا عن المشهد لدرجة تجعلك تظن أن مواليد السبعينيات قد انقرضوا مع "الشفر كابرس"، ومرت علينا السنوات راكضة بشعاراتها ومعاركها وتفاهاتها دون أن نتمكن من الاستمتاع بها بالشكل المناسب أو المشاركة في إدارتها وتجارتها، وفوق كل هذا فقد وصلنا إلى مرحلة مناداتنا من قِبل الأجيال الناشئة "بعمّي" إمعاناً في الظلم وكسر الخواطر!

آنا عمّي يا شقول!