في الثالث من يناير حذّر وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إيران من تنفيذ أي عمليات مخطط لها لإطلاق قمر صناعي باستخدام صواريخ تجمع بين تلك الشائعة وبين الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وجاء هذا التحذير بعد إعلانه في الأول من ديسمبر أن إيران اختبرت صاروخاً باليستياً «مصمماً ليكون قادراً على إطلاق أسلحة نووية» تطول الشرق الأوسط بأكمله وأجزاء من أوروبا. وقد تمّ اختيار هذه الكلمات بدقة، حيث إن قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2231 يدعو إيران إلى «عدم تنفيذ أي نشاط يتعلق بالصواريخ الباليستية المصممة لتكون قادرة على نقل وإطلاق أسلحة نووية، بما في ذلك عمليات الإطلاق»، ومع ذلك لا يحظر القرار صراحةً مثل هذه الأنشطة، وهي نقطة استغلتها إيران بشكل جيد.

وتتطابق الخصائص التي أشار إليها بومبيو في 1 ديسمبر مع تلك الخاصة بالصاروخ الباليستي «خرمشهر»، المتوسط المدى والجديد نسبياً الذي كُشف النقاب عنه في سبتمبر 2017 وجرى اختباره في ثلاث مناسبات على الأقل، وعلى الرغم من ندرة التفاصيل المعروفة عن الصاروخ، فإنه يُعتقد أنه يمثّل أول عدول لإيران عن التصميم العام لصاروخ «سكود بي»، وهو أكثر تشابهاً مع صاروخ «بي أم 25/هواسونغ -10» الكوري الشمالي الذي تمّ تسليمه للمرة الأولى إلى إيران نحو عام 2005.

Ad

وسارع المسؤولون الإيرانيون إلى رفض ملاحظات بومبيو وأكدوا أن برنامجهم الصاروخي دفاعي ورادع بطبيعته، ولا ينتهك القرار 2231، وأنهم سيواصلون العمل على هذا البرنامج رغم الاعتراضات الدولية. وقد وصف قائد «القوة الجوفضائية التابعة للحرس الثوري الإسلامي» العميد أمير علي حاجي زاده ردّ الفعل الأمريكي بـ»القلق والانتقائي»، مدعياً أن إيران «تجري ما يزيد على أربعين إلى خمسين تجربة صاروخية سنوياً».

وتشير أدلة من مصادر مختلفة إلى أن مزاعم حاجي زاده قد تكون مبالغا فيها، ففي تقرير صدر في 9 ديسمبر، أشارت الصحيفة الألمانية «دي فيلت» إلى أن إيران اختبرت فقط سبعة صواريخ باليستية متوسطة المدى وثلاثة صواريخ قصيرة المدى في عام 2018، وفقاً لـ»وثائق من مصادر استخبارات غربية». وعلى نحو مماثل، وثّقت «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» أربع عمليات إطلاق تجريبي فقط خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2017. وإذا كانت هذه الأرقام دقيقة، فمن المرجّح أن تطلق إيران صواريخها في عمليات هجومية أكثر من إطلاقها في عمليات تجريبية «دفاعية»، فخلال فصل الخريف الماضي وحده، أطلقت ستة منها ضد جماعات كردية في شمال العراق (28 سبتمبر) وستة أخرى ضد أهداف لتنظيم «الدولة الإسلامية» في سورية (1 أكتوبر).

دقة مقابل الشحنة المتفجرة

في الخامس من ديسمبر أفاد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف أن الصواريخ الإيرانية «مصممة فقط لتأدية دور تقليدي بسبب امتلاكها القدرة على إطلاق ضربات دقيقة»، مكرراً ما زعمه في إحدى المقالات الافتتاحية في صحيفة «نيويورك تايمز» قبل عام بأن: «الأسلحة النووية لا تحتاج أن تكون دقيقة، غير أن الرؤوس الحربية التقليدية من الضروري أن تكون كذلك». ولكن ليس هناك أساس لمثل هذه الادعاءات لأن هناك سوابق كثيرة عن صواريخ باليستية عالية الدقة وقادرة على حمل سلاح نووي، فعلى سبيل المثال يمكن لصاروخ «برشينج 2» من ثمانينيات القرن الماضي أن يُطلِق رأساً حربياً نووياً ذا أثر منخفض على أهداف بدقة تقلّ عن 50 متراً.

كما يبدو ادعاء «الدقة» الذي أدلى به ظريف غريباً نظراً إلى مواصفات صاروخ الاختبار الذي كان حافزاً وراء قيامه بالإدلاء بملاحظاته، ووفقاً لبعض التقارير فإن صاروخ «خرمشهر» قادر على حمل شحنة متفجرة أثقل بكثير مما هو ضروري لسلاح هدفه تحقيق أقصى درجات الدقة، ومن شأن رأسه الحربي الذي يُزعم أنه يزن 1800 كيلوغرام أن يجعله الأكبر في ترسانة إيران.

ويتمثل أحد الاحتمالات في كَوْن هذه السعة الإضافية مصممة لحمل العديد من الرؤوس الحربية، فعندما تمّ الكشف عن «خرمشهر» للمرة الأولى، ادعى حاجي زاده أن صاروخاً واحداً يمكنه أن يضرب «أهدافاً متعددة»، وإذا كانت إيران قد نجحت فعلياً في اختبار مثل هذه القدرة للمرة الأولى، فسيكون ذلك بمثابة تطوّر مقلق، لأن العديد من الرؤوس الحربية تملك فرصة أفضل لهزيمة الدفاعات الصاروخية.

وإلى جانب قدرته النووية النظرية، يمكن لصاروخ «خرمشهر» أن يحتل أيضاً مكاناً متميزاً في عقيدة الصواريخ الإيرانية، وعلى افتراض أن مواصفاته المزعومة صحيحة- أي نطاق 2000 كيلومتر، ورأس حربي بوزن 1800 كيلوغرام- فبإمكانه أن يوفّر إما تركيبة متعددة الرؤوس الحربية مع قدرة محتملة على هزيمة الدفاعات الصاروخية، أو رأساً حربياً تقليدياً متكاملاً يمكنه إحداث أضرار كبيرة للغاية على مساحة واسعة (بدون توجيه دقيق)، أو قدرةً على هزيمة بعض الأهداف المحصنة (مع توجيه دقيق).

تهديد لأوروبا

أوضحت إيران أن لديها القدرة على مواصلة توسيع نطاق صواريخها الباليستية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول سقف المدى البالغ 2000 كيلومتر الذي حدّده المرشد الأعلى علي خامنئي ومسؤولون آخرون على الأمل المفترض في تهدئة المخاوف الغربية ومنع فرض عقوبات إضافية. وخلال تصريحاته في الشهر الماضي أعلن حاجي زاده، «يمكننا تصنيع صواريخ ذات مدى أبعد، ولا يعصى علينا الرقم 2000، فنحن لا نواجه أي عقبات فنية أو قانونية فيما يتعلق بمدى صواريخنا». يُذكر أن طريقة التفكير هذه قائمة منذ فترة من الوقت، ففي مقابلة أجراها قائد «القوة الجوفضائية التابعة لـ»الحرس الثوري» الإيراني بالوكالة اللواء سيد مجيد موسوي في نوفمبر 2014، على سبيل المثال، أقرّ أن «مركز أبحاث الفضاء الإيراني» طوّر صواريخ لإطلاق قمر صناعي «بهدف تطوير تكنولوجيات الصواريخ بشكل رئيسي تحت ستار برنامج فضاء مدني، وخاصة من أجل تفادي السقف المفروض ذاتياً على المدى المحدد عند 2000 كيلومتر».

إن الصواريخ الإيرانية التي يصل مداها إلى 2000 كيلومتر قد تطرح بالفعل تهديداً على الأطراف الجنوبية الشرقية لأوروبا، في حين أن نسخ «خرمشهر» ذات المدى الأبعد يمكن أن توسع هذا التهديد ليطول القارة بأكملها (ويفترض على حساب وزن الشحنة المتفجرة). ففي 27 نوفمبر تحدّث نائب قائد الحرس الثوري العميد حسين سلامة عن «المنطق الاستراتيجي» الكامن وراء توسيع مثل هذا المدى، محذّراً من أن «الأوروبيين سيشكلون تهديداً إذا حاولوا التدخّل في شؤوننا الصاروخية ولا يعترفون بقوتنا الصاروخية الدفاعية. سنقوم حينها بزيادة مدى صواريخنا لتصل إلى أوروبا». وفي الواقع، ربما تمّ تطوير صاروخ «خرمشهر» العامل على الوقود السائل عبر وضع المسرح الأوروبي في الاعتبار؛ فوفقاً لحاجي زاده، تُفضّل إيران الصواريخ العاملة على الوقود الصلب على غرار «سجيل» المخصص لاستهداف إسرائيل (ربما بسبب قابلية البقاء المتفوقة التي تتمتع بها هذه الصواريخ).

استفزازات قادمة؟

على الدول الغربية الاستعداد لإمكانية إجراء المزيد من الاختبارات الإيرانية لصواريخ باليستية متوسطة المدى أو الكشف عن تصاميم جديدة، لا سيما إذا قرر المتشددون حشد موقف متحدٍ خلال الاحتفال بالذكرى الأربعين للثورة الإسلامية في إيران التي تصادف الشهر المقبل، ووفقاً لنائب وزير الدفاع والعميد في «الحرس الثوري» قاسم تقی ‌زاده، من المتوقع أن تطلق إيران أيضاً قمراً صناعياً إلى المدار بحلول فبراير، وهي خطة ألمح إليها حاجي زاده أيضاً. ورغم أن طهران قد تعتبر هذا الخيار أقل إثارة للمواجهة من اختبار صاروخ باليستي، فإنها ستثير من دون شك مزيداً من الاحتجاجات الدولية على برنامجها الصاروخي، كما أوضح الوزير بومبيو في الثالث من يناير.

وعلى نطاق أوسع، ينبغي ألا ينسى المجتمع الدولي أنّ البرنامج لا يزال يشكل ركيزةً أساسية في استراتيجية إيران للهيمنة على المنطقة، ورغم أن طهران قد أصبحت أقل علانيةً بشأن التقدّم المحرز على صعيد الصواريخ في أعقاب الاتفاق النووي، فإن البرنامج استمرّ في تقدّمه من دون أيّ توقف ملحوظ، والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أنّ الاختبار الأخير يشيرُ إلى أنّ «الحرس الثوري» يمضي قدماً في تطوير صاروخ «خرمشهر»، وهو تصميم لصاروخ باليستي قد يمتلك أساساً القدرة على حمل شحنة متفجرة ثقيلة لضرب أهداف في أي مكان في الشرق الأوسط أو جنوب أوروبا.

فرزين نديمي - واشنطن إنستيتوت