طوال عقود، كانت مختلف النخب في الولايات المتحدة تُجمِع على رأي واحد في مجال السياسة الخارجية: من الواضح أن دعم العالم الليبرالي يصبّ في مصلحتنا، لكننا نشهد راهناً نشوء محور يميني يساري جديد يرتكز على السياسات الحمائية والانعزالية، أي السياسات نفسها التي أدى فشلها خلال الثلاثينيات إلى الإجماع الدولي الذي ساد في فترة ما بعد الحرب.

أطلق الرئيس ترامب حروباً تجارية وأضعف حلفاءنا تزامناً مع الخضوع للطغاة، لكن ماذا عن الديمقراطيين؟ لا يطرح هذا المعسكر سياسة خارجية محددة، وحين يقترح التقدميون في الحزب سياسة مماثلة، تبدو النتائج شبيهة بـ»الترامبية» اليسارية!

Ad

على سبيل المثال، تطرح السيناتورة إليزابيث وارن (ديمقراطية من ولاية ماساتشوستس) في ما يلي رؤيتها عن الشؤون الخارجية قائلة: «صحيح أن السياسات الاقتصادية الدولية والاتفاقيات التجارية أفادت النخب حول العالم بطريقة مدهشة، إلا أنها جعلت الطبقة العاملة محبطة ومستاءة. كانت الجهود الرامية إلى ضمان أمن الولايات المتحدة كفيلة باستنزاف موارد ضخمة وزعزعة استقرار مناطق بأكملها. في غضون ذلك، انهارت الهيمنة التكنولوجية الأميركية بهدوء... لمحاربة ما يحصل، يجب أن نتبنى سياسات اقتصادية دولية تفيد جميع الأميركيين ولا تخدم عدداً ضئيلاً من النخبويين فحسب».

أين الاختلاف بين هذا الرأي وما يقوله ترامب؟ يبدو الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي مستعداً للتخلي عن التجارة الحرة بقدر الحزب الجمهوري الذي اجتاحته النزعة «الترامبية»، كما أنه مستعد بالقدر نفسه لانتقاد المبالغ التي تُصرَف لبناء الأوطان في الخارج على شكل هبات للأجانب، على اعتبار أن صرف تلك الأموال داخلياً سيكون أفضل لتلبية الحاجات المحلية.

قال السيناتور المستقل بيرني ساندرز من ولاية «فيرمونت» في جامعة «وستمنستر» في سبتمبر 2017: «في حالات متكررة، أدى التدخل الأميركي واستعمال القوة العسكرية الأميركية إلى عواقب غير مقصودة، وقد مهّدت لوقوع أضرار لا تُعَدّ ولا تُحصى». يريد ترامب بدوره أن يقلّص حجم التدخلات الخارجية، فبدأ بالانسحاب من سورية ويعمل على تخفيض أعداد الجنود في أفغانستان. لن يطرح الديمقراطيون ولا الجمهوريون أي حجة مبدئية لتأييد بناء الأوطان على يد أعداد صغيرة من الجنود والدبلوماسيين وعمال الإغاثة، وتحديداً الفكرة القائلة إن مساعدة الحكومات الخارجية على التحكم بأراضيها ستكون أقل كلفة من التعامل مع مظاهر الإرهاب والجرائم والأمراض المتكاثرة في المناطق غير الخاضعة للحكم.

يصعب أن يوافق ترامب على جزء كبير من أقوال ساندرز ووارن. يركز السيناتوران على محاربة التغير المناخي وعدم المساواة في الدخل، علماً أن ترامب لا يعترف بوجود هذه المشاكل، كما أنهما يدينان بشدة الاستبداد والفساد، لكنّ ترامب يجسّد هذه المشاكل بدل أن يحاربها. أخيراً، هما يشددان على ضرورة التعاون مع الحلفاء بدل الاستخفاف بهم كما يفعل ترامب.

لكن ثمة حدود صارمة لذلك التعاون. كتبت وارن مثلاً عن ضرورة أن «نشجّع حلفاءنا على تعزيز تعاونهم متعدد الأطراف وطرح بدائل عن الدبلوماسية القسرية مع الصين». إنها فكرة ممتازة، لكن تعارض وارن أفضل بديل للهيمنة الاقتصادية الصينية، أي الشراكة العابرة للمحيط الهادئ، بقدر ترامب.

كما أن رغبة وارن في مساعدة الحلفاء لا تمنعها من المطالبة بعودة القوات الأميركية من أفغانستان والعراق. سيكون اكتشاف رأيها بشأن استراتيجية الانسحاب هذه مثيراً للاهتمام نظراً إلى دعمها لحقوق الإنسان في الخارج، إذ سيكون رحيل القوات الأميركية بمثابة مكافأة لمنتهكي حقوق الإنسان المرعبين مثل «الدولة الإسلامية» وحركة «طالبان». لكن لا تواجه وارن مطلقاً هذا التناقض الواضح.

كذلك، لا يوضح ساندرز ووارن كيف يمكن التصدي للأنظمة الاستبدادية، مثل الصين وروسيا، تزامناً مع تخفيض الإنفاق الدفاعي. مثل ترامب، يبدو أنهما تكتفيان بالتمني حين تتخيلان أن الحلفاء سيبذلون جهوداً إضافية عندما تحصر الولايات المتحدة جهودها. سيكتفي هؤلاء الحلفاء على الأرجح بالتكيّف مع الدول العدائية مثل إيران وروسيا والصين، أو يمكن أن يتخذوا خطوات من شأنها أن تزعزع الاستقرار، مثل اكتساب أسلحة نووية.

مثل الرئيس أيضاً، لا يقول ساندرز ووارن الكثير عن الانتهاكات المريعة التي يرتكبها أعداء الولايات المتحدة، ومثل ترامب الذي يلوم الرئيس السابق باراك أوباما والمستشار الخاص روبرت س. مولر الثالث على سوء العلاقات مع روسيا، يوحي التقدميون بأن عدداً كبيراً من مشاكل العالم هو من صنع الولايات المتحدة، وليس موسكو أو طهران أو بكين. حتى أن ساندرز أدرج في خطابه في جامعة «وستمنستر» لائحة طويلة من أخطاء الولايات المتحدة، مثل الإطاحة برئيس الحكومة الإيراني محمد مصدق في عام 1953 والإطاحة بسلفادور أليندي في تشيلي.

يرفض ساندرز السعي إلى فرض «هيمنة عالمية خيّرة». بحسب رأيه، «فقدت هذه الرؤية مصداقيتها بالكامل بعد أحداث العقدين الأخيرين، لا سيما حرب العراق الكارثية ومظاهر الفوضى والدمار التي سبّبتها في المنطقة». لكن يغفل ساندرز على ما يبدو عن بعض أحداث الماضي البعيد، وتحديداً بين عامَي 1914 و1945، فقد أدت الظروف السائدة حينها إلى إضعاف سياسة الانفصال التي يؤيدها هو وترامب.

إذا أراد الديمقراطيون سياسة خارجية مبنية على رؤية تتماشى مع مكانة القوى العظمى، يجب أن يتجاهلوا آراء ساندرز ووارن ويقرؤوا المقالة التي كتبها جايك سوليفان، مستشار السياسة الخارجية السابق لهيلاري كلينتون، في مجلة «ذي أتلانتيك»، فقد دعا هذا الأخير إلى تبني سياسة «الاستثنائية الأميركية»، مما يعني ضرورة العمل من أجل المصلحة العامة تزامناً مع خدمة مصالحنا الخاصة. ستكون القيادة الأميركية أساسية لمعالجة المشاكل الكبرى التي يواجهها العالم، بسبب روسيا والصين أو بسبب انتشار أسلحة الدمار الشامل والاعتداءات الإلكترونية والتغير المناخي. كتب سوليفان أن التعاون الدولي «لا يحصل عفوياً، بل إنه يفرض على أحد اللاعبين أن يأخذ المبادرة ويتولى دور القيادة»، وإذا كانت الولايات المتحدة غير مستعدة لأداء هذا الدور، فمن سيفعل؟ لا يعطي الديمقراطيون التقدميون ولا الجمهوريون المتأثرون بالسياسة «الترامبية» جواباً وافياً عن هذا السؤال المحوري!

* ماكس بوت