يصيب الفصال العظمي كبار السن في معظم الحالات وقد يعوق مسار حياة المرضى بدرجة كبيرة. أحياناً، تبدأ الحالة بإصابة أو بضرر مرتبط بمرض معين على مستوى المفاصل. وفي حالات أخرى، تنجم المشكلة عن استنزاف المفاصل على مر السنين.في مطلق الأحوال، لا تتوافر طريقة فاعلة راهناً لكبح مسار المرض، بل تقتصر الخيارات المتاحة على الأدوية المستعملة لتسكين الألم الذي تُسببه هذه الحالة. في ظل زيادة متوسط العمر المتوقع وتوسّع ظاهرة البدانة (إنهما جزء من عوامل الخطر المُسببة للفصال العظمي)، بدأ هذا المرض يطرح مشاكل متزايدة.ولما كان الألم يُعتبر مؤشراً طاغياً على الفصال العظمي، فيؤدي هذا الاضطراب إلى تفاقم أزمة الإدمان على المواد الأفيونية. لذا أصبح إيجاد طرائق مبتكرة لكبح مسار هذا المرض ضرورياً أكثر من أي وقت مضى.
مشكلة في طريقة إعطاء الدواء
قرر باحثون من «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا» في «كامبريدج» أن يتدخلوا أخيراً. فاستكشفوا طرائق لاستعمال تقنية النانو بهدف تحسين الأدوية التجريبية التي تستهدف الفصال العظمي، ونشر الباحثون نتائجهم في مجلة «الطب الانتقالي» أخيراً.على مر السنين، استعمل العلماء مجموعة واسعة من المواد الكيماوية لاستهداف الفصال العظمي. كان بعضها واعداً على نماذج الحيوانات، لكن لم يثبت أي واحد منها حتى الآن أنه قد يفيد البشر.يظن المشرفون على الدراسة الجديدة أن «عدداً كبيراً من نقاط الضعف هذه يتعلق بسوء طريقة إعطاء الدواء».يحصل ذلك لسببين: أولاً، تفتقد المفاصل إلى إمدادات الدم، مما يعني أن الخبراء يجب أن يحقنوا الأدوية في المفاصل مباشرةً. ثانياً، يميل التصريف اللمفاوي إلى إزالة المركّبات المحقونة في المفاصل بسرعة.لتجاوز هذا المعوق، ركّز العلماء على تصميم طريقة لإعطاء الأدوية والحفاظ عليها وقتاً أطول في المفصل، تزامناً مع بلوغ أعمق مستويات الغضروف لإيصال الدواء إلى الخلايا التي تحتاج إليه مباشرةً.كان «عامل النمو الشبيه بالأنسولين 1» الدواء الذي ركزوا عليه: إنه العنصر الذي بدا واعداً في بعض التجارب العيادية. يعزز هذا العامل نمو الخلايا الغضروفية التي يتشكل منها أي غضروف سليم ويضمن صمودها.وصمّم الباحثون جزيئة دائرية على المقياس النانومتري لاستعمالها كناقل لـ«عامل النمو الشبيه بالأنسولين 1». تتألف الجزيئة من أغصان متعددة تشتق من جذع مركزي.ينتهي كل غصن بمنطقة مشحونة إيجاباً تنجذب نحو الشحنة السلبية على سطح الخلايا الغضروفية.تشمل الجزيئات أيضاً ذراعاً متأرجِحة من البوليمر تغطي الشحنات الإيجابية وتبطل مفعولها بشكلٍ متقطع. ربط الباحثون جزيئات «عامل النمو الشبيه بالأنسولين 1» بسطح هذه الدائرة وحقنوا العنصر بمفاصل الجرذان.حين دخلت تلك الجزيئات إلى الجسم، التصقت بالغضروف وعجز التصريف اللمفاوي عن التخلص منها. انطلاقاً من هناك، تستطيع الجزيئات أن تنتشر وتخترق النسيج.لكن لا تتلاصق الدوائر بشكل دائم، لأن هذا الترابط سيحتجزها على سطح الغضروف. تغطي ذراع البوليمر المرنة الشحنات مؤقتاً، ما يسمح للجزيئات بالتحرك والوصول إلى عمق النسيج.يقول المشرف الرئيس على الدراسة بريت غايغر، خريج «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»: «اكتشفنا نطاقاً مثالياً للشحنات لتمكين المادة من الالتصاق بالنسيج والانفصال عنه كي تنتشر على نطاق أوسع، وحرصنا على ألا يكون الالتصاق قوياً لدرجة أن تَعْلَق تلك المادة على السطح».عند دسّ «عامل النمو الشبيه بالأنسولين 1» في الخلايا الغضروفية، ستنطلق عناصر البروتيوغليكان، أي مواد الغضروف الخام. يُشجّع ذلك العامل أيضاً على نمو الخلايا ويُقلّص احتمال موتها.توسيع نطاق العلاج
حقن الباحثون هذه الجزيئة الهجينة في مفاصل الجرذان. كان مفعولها يمتد أربعة أيام (إنه الوقت اللازم كي يتراجع حجم الدواء الأصلي إلى النصف)، ما يعني أن الأثر المتوقع بات أطول بعشر مرات مما كان عليه حين حقن العلماء «عامل النمو الشبيه بالأنسولين 1» وحده. تعلّقت أهم نتيجة بإطالة مدة الأثر العلاجي إلى 30 يوماً.مقارنةً بالجرذان التي لم تتلقَ الدواء، سجلت المجموعة التي أخذته تراجعاً في مضار المفاصل. كذلك، تراجعت حدة الالتهاب بدرجة ملحوظة. غضروف الجرذ أرفع بكثير من غضروف البشر طبعاً، إذ تبلغ سماكته على التوالي 100 ميكرومتر مقابل 1 ملم لدى البشر تقريباً.في تجربة منفصلة، أثبت العلماء أن تلك الجزيئات تمكنت من اختراق المساحة المستهدفة بسماكة لافتة نسبةً إلى البشر.إنها المرحلة الأولى من البحوث التي تستكشف طريقة استعمال تلك الجزيئات لحقن الأدوية في الغضروف. يخطط فريق البحث لمتابعة عمله في الإطار نفسه ولتحليل مواد كيماوية أخرى، من بينها الأدوية التي تعوق السيتوكينات الالتهابية والأحماض النووية مثل الحمض النووي الريبوزي منقوص الأوكسجين والحمض النووي الريبي.نُشرت الدراسة إلى جانب افتتاحية حول استعمال تقنية النانو في البحوث المرتبطة بالفصال العظمي. كتب الباحث كريستوفر إيفانز: «إنها بيانات واعدة جداً. لا يمكن أن يؤثر أي نظام آخر لإعطاء الدواء بطريقة مستدامة في أيض الخلايا الغضروفية في الموقع المستهدف وضمن كامل سماكة الغضروف المفصلي».صحيح أن الطريقة الجديدة لا تزال في بدايتها، لكنها قد تُمكّن الأطباء في نهاية المطاف من إبطاء مسار الفصال العظمي بدرجة لافتة من خلال تلقّي الحقن كل أسبوعين أو كل شهر.