مجلس الأمة يسقط في الامتحان التشريعي كما سقط في الاختبار الرقابي من خلال إجهاض الاستجوابات المقدمة للوزراء ورئيس الحكومة، وما يُعرف بقانون التقاعد المبكر والطريقة الهزلية التي مرر من خلالها هذا المقترح لم يبق للسلطة التشريعية ما تتستر به أمام الناس كونها أداة رخيصة بيد الحكومة.

المقترح الجديد لم يأتِ بأي قيمة مضافة للمتقاعد، وما تزعمه الحكومة بأن مقترحها سيشمل شرائح أخرى لنظام التقاعد مجرد ضحك على الذقون، باستثناء مساواة المرأة المتزوجة بغير المتزوجة، الأمر الذي لا يتعدى كونه تصحيح خطأ فادح تسببت به الحكومة نفسها قبل عشرين سنة عندما فرضت هذا التمييز، كما بقيت سنوات الخدمة للرجل والمرأة على حالها، في حين ظلم القانون الجديد المتقاعد من فرصة الاستبدال الأمثل وتحويله إلى مستجدٍ لقرض حسن لا يتعدى عشرة أضعاف الراتب يعيش بعدها بنصف مرتبه لسنتين، ولم يعدل المقترح المشوه ما يخص حماية ورثة المتوفى من راتبه التقاعدي بعد مرور شهر واحد على وفاته، وهي فترة يستحيل معها تفرغ الورثة من إنهاء متطلبات حصر ما ورثوه أو خروج أرملة الفقيد من عدة الوفاة!

Ad

على الرغم من هذه التنازلات الكبيرة التي قدمها غالبية أعضاء مجلس الأمة فإن الحكومة سترد هذا المقترح الذي "ينتف ريش" المتقاعد إذا ما أقر في مداولته النهائية بذريعة المادة الرابعة التي تحمي الموظف من تسريحه القسري من العمل، ومطالبتها بإلغاء هذه المادة من القانون.

المشكلة التشريعية لا تكمن في خروج قوانين مشوهة، وضد مصلحة الأغلبية العظمى من شرائح المجتمع ممن تعتمد حياتهم وأسرهم على هذا الدخل المحدود فحسب، لكنها خطيرة من باب تجريد مجلس الأمة من صلاحيته التشريعية والعمل المنظم على إلغاء هذا الحق الدستوري الأصيل وتفريغ المادة السادسة من الدستور التي تنص على أن "الأمة هي مصدر السلطات" من محتواها الحقيقي.

فهل يعقل بعد أكثر من نصف قرن من بداية العهد الديمقراطي والممارسة الدستورية أن يتحول معظم أعضاء مجلس الأمة، المفترض أنهم خرجوا بإرادة الناخبين إلى البيت التشريعي ليتحولوا إلى أدوات وأصوات للحكومة وضد مصلحة أصحاب الفضل الذين أوصلوهم لهذا المنصب؟!

التصويت المخجل على قانون التقاعد المبكر يعتبر حلقة جديدة من حلقة الفساد التشريعي الذي سنه مجلس 2013 ومن قبله مجلس 2012 المبطل الثاني، وهما من إفرازات نظام الصوت الواحد، حيث بدأ مجلس الأمة نيابة عن الحكومة بإقرار القوانين المقيدة للحريات العامة، ومصادرة حق الناس حتى في التعبير عن الرأي، وملاحقتهم في أروقة التحقيق والنيابة والقضاء، واليوم يأتي مجلس 2016 ليكمل هذا المشوار في محاربة الكويتيين في أرزاقهم حتى ما بعد التقاعد، ولا نستغرب إذا أقر هذا المجلس فرض الضرائب على المواطنين قريبا، في وقت يتحول الأشاوس من نواب الحكومة إلى صم بكم في قضايا السرقات الكبرى التي أزكمت رائحتها أنف الصغير قبل الكبير!