بالتأكيد الكويت تنتظر من نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الشيخ ناصر الصباح أن يعمل مع مجلس الوزراء ومجلس الأمة "لمكافحة الفساد وتطهير الإدارات من الخلل والتجاوزات..."، كما جاء في افتتاحية جريدة الراي، أمس الأول، بعنوان "الدين نصيحة"، والنصيحة التي توجهها "الراي" للشيخ ناصر أن هناك ملفات ضخمة تشل التقدم وتدفع بالدولة إلى الخلف، فما أكثر الناس الذين يتحسرون على تلاشي حلم الدولة بالستينيات والسبعينيات من القرن الماضي إلى بداية كابوس الانحدار في عقد الثمانينيات وحتى اليوم، فلا أحد، مثلاً، يختلف على وضع التعليم البائس بداية من مناهج تعليمية ببغاوية خاوية، أكل عليها الدهر وشرب، إلى مخرجات تعليم مزرية كي ننتهي بسرطان التزوير في الشهادات العليا.

وهل هناك من يختلف على أن "... المحسوبيات والوساطات والبيروقراطية وحشر الموظفين بالآلاف... في أماكن لا تتناسب مع مؤهلاتهم..." هي كوارث إدارية نتجت عن سياسات طائشة في الماضي، لم تحسب للقادم أي حساب. طبيعي أنه "... لا يمكن لأسلوب العمل في الجهاز الإداري عندنا إلا أن ينتج الفساد..."، ولربما وصلنا إلى مرحلة نكاد نقول فيها إن "... الفساد من أهم مخرجات الإدارة...".

Ad

الشروع في تلك "الأولويات" وإصلاح العطب مع تطوير النظام السياسي لمزيد من الحريات والديمقراطية يجب أن يسبق أي أمر آخر، كما يفهم من الافتتاحية، وهذا "نظرياً" مسألة لا يمكن الاختلاف عليها، ولكن لنتوقف قليلاً هنا، ونسأل كم من الزمن يلزم لنفض الدولة من غبار الأمراض السابقة؟ كم من الوقت نحتاجه لتحطيم تلك الأصنام الجاثمة على صدر الدولة، وتخنق كل أمل وحلم لمستقبل جيل الشباب؟! وهل سيرحمنا الزمن كي نوقف أي مشروع اقتصادي يكون مصدراً رديفاً للدخل القومي؟! يظهر أنه من الصعب التعذر بما سبق طرحه كي يتم "تأجيل" مثل مشروع تطوير الجزر أو غيره من مشاريع يمكن أن توفر مصدراً رديفاً للدخل الوطني، وتخفف حجم القلق من القادم.

قضايا الفساد وسوء الإدارة وكارثة التعليم وغيرها من "بلاوي" كبيرة ليست مسائل ولدت اليوم أو البارحة، هي مصائب تراكمت عبر عقود من اللامبالاة السياسية وغياب الرؤية الحصيفة، لا توجد عصا سحرية يمكن أن تزيل هذا الهم الكبير بلمسة واحدة، لنتذكر أنه كم من مرة يأتي وزير أو قيادي يتصور أنه سيكون مصلحاً لإدارته، فينتهي الأمر به إلى أن "يصبح حاله من حال غيره"، الذين سبقوه، ويصبح ترساً عادياً في ماكينة العجز والفساد، هذا بافتراض إن ظل على رأس عمله.

حين نقول مثل "الشق عود" يعني أن الرتق على الطريقة التقليدية بتغيير الوزراء أو تدويرهم كي يتجنبوا المساءلة على طريقة الإدارة المشيخية – وهي مساءلة سياسية لا تقدم ولا تؤخر في مثل أنظمتنا الوراثية الريعية - هو أمر بلا جدوى.

السوس وصل إلى نخاع الدولة، وتمدد من الأعلى للأسفل، وحتى يكون لدينا إصلاح حقيقي، لا بد من الهدم (هدم كل القديم مهما بلغت التضحيات) والبدء من جديد.

وحتى يأتي هذا الوقت، يمكن أن نتصور أن مشروعاً مثل تطوير الجزر أو غيره يمكن الشروع فيها طالما أن القائمين عليه تعهدوا بألا ينقلوا أمراض هذه الإدارة بعللها وأمراضها للجديد في مشاريعهم... ففي النهاية، نشاهد اليوم تدهور أسعار النفط يوماً بعد يوم، ونتذكر قبل ذلك أن هناك أكثر من 400 ألف قادم لسوق العمل قبل عام 2035، فما العمل معهم؟ وما العمل مع هذا المستقبل الذي يكاد يصبح حاضراً الآن؟!