في الوقت الذي كان غرب العالم يحتفي ببلوغه المريخ وبحث إمكانية الحياة عليه، وأقصى شرقه يبهرنا بقدرة علمائه على تحرير الجينات البشرية من ميراثها العتيق، انشغل علماء العرب والمسلمين وعوامهم بملابس الفنانة المصرية رانيا يوسف، التي كشفت النصف الأسفل من جسدها ومعه رؤوس الكثيرين ممن تعيش بينهم في هذه الأمة المختارة.

وفي الوقت ذاته الذي ينتهز فيه بعض المسلمين الفرصة للدعاء للمجرم صدام حسين بالرحمة والمغفرة بكل مناسبة أو من غير مناسبة، رغم كل جرائمه التي ارتكبها بحق العرب والفرس والكرد والبيئة والإنسانية والدين والعروبة، وذلك فقط لأنه ورث الإسلام وزايَد عليه في أيامه الأخيرة، تجدهم ذاتهم ينزعجون من كلمة طيبة أو دعوة صادقة بحق الرئيس الأميركي الراحل جورج بوش الكبير انطلقت بعفوية من قلب أم شهيد أو زوجة أسير لم يرجع أو شعب ذاق المر من الجار الشقيق "المسلم"، وذلك بحجة أنه نصراني، أو لما أعلنه من حروب في سبيل تحقيق مصلحة بلاده، وكأن الإسلام قميص جاهز من ارتداه سلم، وليس سلوكا وأخلاقا ومعاملة، أو أن من يمجدونهم سراً وعلانية كانوا خيراً منه أو أكثر حناناً ورقة وإنسانية.

Ad

ما يجمع بين رانيا يوسف وصدام حسين أكثر من لبس شفاف هنا أو إعجاب بمجرم هناك، المشكلة أعمق وأكبر من ذلك، فالعلة باطنية والتناقضات والاستشراف طبيعة حياة لدينا لا نحتاج معها إلى أحد لأن يتآمر علينا لنبرر لأنفسنا ما نحن فيه من مرتبة بين الأمم، فمن استفزهم نصف ثوب الممثلة لم تستفزهم نصف الحياة التي يعيشونها، ومن استنكر على الغريب أفعاله يهيم عشقاً بجرائم القريب ويفلسفها، ثم تجدهم ذاتهم يتباكون على تخلّف الأمة وتراجعها ويندبون حظهم وحظها، ويتساءلون بأسى مصطنع عن سر تقدم الغرب وتخلّفنا، لا توجد أسرار وكل شيء مكشوف أكثر من فستان الممثلة ويجري أمامكم كل يوم، لا تمجد طغاة ولا تنافق، ولتكن معاييرك واحدة ولا تهتم كثيراً بفقه التوافه والصغائر، وأصلح نفسك قبل أن تحمّل الآخرين وزر تخلّفك، ولتعرف أنك إذا أردت أن تكون في المقدمة فعليك دائماً أن تنظر إلى القمة وتعمل بجد، وتضع من فيها نصب عينيك، وتغض النظر عن المؤخرة وأهلها.